***

بحث هذه المدونة الإلكترونية

جارٍ التحميل...
***

الخميس، 9 يونيو، 2016

الأمانة

قال أحد التجار: قصدت الحج في بعض الأعوام، وكانت تجارتي عظيمة، وأموالي كثيرة، وكان في وسطي هميان (كيس تجعل فيه النفقة، ويشد على الوسط فيه دنانير وجواهر قيمة)، وكان الهميان من ديباج أسود.

فلما كنت ببعض الطريق نزلت لأقضي بعض شأني، فانحل الهميان من وسطي، وسقط ولم أعلم بذلك إلا بعد أن سرت عن الموضع فراسخ، ولكن لم يكن يؤثر في قلبي لما كنت أحتويه من غنى، واستخلفت ذلك المال عند الله، إذ كنت في طريقي إليه تعالى.

ولما قضيت حجتي وعدت وتتابعت المحن علي حتى لم أملك شيئاً! فهربت على وجهي من بلدي، ولما كان بعد سنين من فقري، أفضيت إلى مكان وزوجي معي، وما أملك في تلك الليلة إلا دانقاً ونصف، وكانت الليلة مطيرة، فأويت في بعض القرى إلى خان خراب، فجاء زوجي المخاض فتحيرت ثم ولدت، فقالت: يا هذا، الساعة تخرج روحي، فاتخذ لي شيئاً أتقوى به فخرجت أخبط في الظلمة والمطر حتى جئت إلى بدال فوقفت عليه، فكلمني بعد جهد، فشرحت له حالي، فرحمني وأعطاني بتلك القطع حُلْبَةٌ وزيتاً وأغلاهما، وأعارني إناء جعلت ذلك فيه، وجئت أريد الموضع، فلما مشيت بعيداً وقُربت من الخان زلقت رجلي، وانكسر الإناء وذهب جميع ما فيه، فورد على قلبي أمر عظيم ما ورد علي مثله قط! فأقبلت أبكي وأصيح، وإذا برجل قد أخرج رأسه من شباك داره، وقال: ويلك! مالك تبكي؟ ما تدعنا ننام.

فشرحت له القصة فقال: يا هذا البكاء، كله بسبب دانق ونصف!. قال: فداخلني من الغم أعظم من الغم الأول فقلت: يا هذا والله ما عندي شيء لما ذهب مني، ولكن بكائي رحمة لزوجي ولنفسي، فإن امرأتي تموت الآن جوعاً، ووالله لقد حججت في سنة كذا وكذا وأنا أملك من المال شيئاً كثيراً، فذهب مني هميان فيه دنانير وجواهر تساوي ثلاثة آلاف دينار فما فكرت فيهن وأنت تراني الساعة أبكي بسبب دانق ونصف فاسأل الله السلامة، ولا تعايرني فتبتلى بمثل بلواي. قال: فقال لي: بالله يا رجل، ما كانت صفة هميانك؟ فأقبلت أبكي وقلت: ما ينفعني ما خاطبتني به، أو ما تراه من جُهدي وقيامي في المطر حتى تستهزئ بي أيضاً! وما ينفعني وينفعك من همياني الذي ضاع منذ كذا وكذا؟. قال: ومشيت فإذا بالرجل قد خرج وهو يصيح بي: خذ يا هذا: فظننته يتصدق علي، فجئت وقلت له: أي شيء تريد؟ فقال لي: صف هميانك، وقبض علي، فلم أجد للخلاص سبيلاً غير وصفه له، فوصفته فقال لي: ادخل، فدخلت، فقال: أين امرأتك؟ قلت: في الخان، فأرسل غلمانه فجاءوا بها، وأدخلت إلى حرمه، فأصلحوا من شأنها وأطعموها كل ما تحتاج إليه، وجاءوني بجبة وقميص وعمامة وسراويل وأُدخلت الحمام، وقال: أقم عندي أياماً فأقمت عشرة أيام، كان يعطيني في كل يوم عشرة دنانير وأنا متحير في عظم بره بعد شدة جفائه!. فلما كان بعد ذلك قال لي: في أي شيء تتصرف؟ قلت: كنت تاجراً.

قال: فلي غلات وأنا أعطيك رأس ما تتجر فيه وتشركني، فقلت: افعل. فأخرج لي مائة دينار، فقال: خذها واتجر فيها ها هنا. فقلت: هذا معاش قد أغناني به الله يجب أن ألزمه فلَزِمْتُهُ. فقال: اجلس، فجلست فأخرج لي همياني بعينه وقال: أتعرف هذا؟ فحين رأيته شهقت وأُغمي علي فما أفقت إلا بعد ساعة! ثم قلت له: يا هذا، أَمَلَكٌ أنت أم نبي! فقال: أنا أحفظه منذ كذا وكذا سنة، فلما سمعتك تلك الليلة تقول ما قلته، وطالبتك بالعلامة فأعطيتها أردت أن أعطيك للوقت هميانك، فخفت أن يغشى عليك، فأعطيتك الدنانير التي أوهمتك أنها هبة، وإنما أعطيتكها من هميانك، فخذ هميانك واجعلني في حِلَّ، فشكرته ودعوت له. وأخذت الهميان ورجعت إلى بلدي، فبعت الجواهر وضممت ثمنه إلى ما معي واتجرت، فما مضت إلا سنوات حتى صرت صاحب عشرة آلاف دينار وصلحت حالي.

الجمعة، 3 يونيو، 2016

لو أطعمنا أنفسنا هذا ما خرجت السمكة

قصة رائعة ذات معان رائقة وردت عن أحد الزاهدين " أحمد بن مسكين " وكان من التابعين ، قال : 
في البلدة رجل يُدعى أبا نصر الصياد ، يعيش مع زوجته وابنه في فقر شديد 
- مشى في الطريق ذات يوم مهموما مغموما ً، يسأل الله تعالى الفرج والرزق الحلال فزوجته وابنه يتضوران جوعاً .
مر على شيخه أحمد بن مسكين' يقول له أنا متعب يا سيدي ..
وقرأ التابعي في وجه تلميذه ما يعانيه ، فقال له اتبعني إلى البحر 

فانطلقا إليه، وقال له الشيخ – راغباً في لجوء مريده إلى الله تعالى : " صلّ ركعتين على نية التيسير" واسأل الله تعالى الرزق الحلال الطيب ...فصلى ، ثم قال له : "سم الله " ، - فكل شيئ بأمر الله .. فقالها . .. ثم رمى الشبكة ، فخرجت بسمكة عظيمة . ... قال له "بعها واشتر بثمنها طعاماً لأهلك ". 
فانطلق إلى السوق يبيعها ، واشترى فطيرتين إحداهما باللحم والأخرى بالحلوى وقرر أن يعود إلى الشيخ فيقدم إحداهما له اعترافاً بصنيعه . .. 
رد الشيخ الفطيرة قائلاً : هي لك ولعيالك ، ثم أردف : " لو أطعمنا أنفسنا هذا ما خرجت السمكة " 

وفي الطريق إلى بيته قابل امرأة تبكي من الجوع ومعها طفلها، فنظرا إلى الفطيرتين في يده
وقال في نفسه هذه المرأة وابنها مثل زوجتي وابني يتضوران جوعاً فماذا افعل ؟ 
ونظر إلى عيني المرأة فلم يحتمل رؤية الدموع فيهما، فقدمهما لها قائلاً:
الفطيرتان لكما ..
ظهر الفرح والسرور على محياها ، وسعد ابنها سعادة رقصت لها أسارير وجهه.. 
وعاد أبو نصر يفكر بولده وزوجته .

ما إن سار حتى سمع رجلاً ينادي من يدل على أبي نصر الصياد؟ 
فدله الناس على الرجل.. فقال له إن أباك كان قد أقرضني مالاً منذ عشرين سنة ثم مات ، خذ يا بني هذه الثلاثين ألف درهم فهو مال أبيك . 

يقول أبو نصر الصياد 
وتحولت غنياً بإذن الله تعالى وكثر مالي ، و ملكت البيوت وفاضت تجارتي ، وصرت أتصدق بالألف درهم في المرة الواحدة في شكرالله تعالى ..
ومرت الأيام ، وأنا أكثر من الصدقات حتى أعجبتني نفسي!! 

وفي ليلة من الليالي رأيت في المنام أن الميزان قد وضع ونادى مناد : أبا نصر الصياد هلم لوزن حسناتك وسيئاتك ، فوضعت حسناتي ووضعت سيئاتي، فرجحت السيئات ..
فقلت أين الأموال التي تصدقت بها ؟ فوضعت الأموال، فإذا تحت كل ألف درهم شهوة نفس أو إعجاب بصنيع كأنه لفافة من القطن لا تساوي شيئاً، ورجحت السيئات 
وبكيَت .. بكيت حتى كادت نفسي تذهب وأحشائي تتقطع . وقلت ما النجاة ؟ 
وسمعت المنادي يقول : هل بقى له من شيء ؟ 
فأسمع الملك يقول: نعم بقيت له رقاقتان ...
وتوضع الرقاقتان (الفطيرتان) في كفة الحسنات ، فتهبط كفة الحسنات حتى تساوت مع كفة السيئات.
فبقيت خائفاً .. وأسمع المنادي مرة أخرى يقول: هل بقى له من شيء؟ فأسمع الملك يقول: بقى له شيء
قلت: ما هو؟ ...
قيل له: دموع المرأة حين أعطيتها الرقاقتين .
فوزنت الدموع، فإذا بها كالحجر الصقيل وزناً .فثقلت كفة الحسنات، ففرحت فرحاً شديداً .. 
وأسمع المنادي كرة أخرى يقول: هل بقى له من شيء؟ 
فقيل: نعم ابتسامة الطفل الصغير حين أعطيَت أمُه الرقاقتان ...
وترجح كفة الحسنات...و ترجح ...وترجح.. 
وأسمع المنادي يقول: لقد نجا ... لقد نجا 
فاستيقظت من النوم فزعا أقول ما قاله لي أحمد بن مسكين حين رد إليّ إحدى الفطيرتين : لو أطعمنا أنفسنا هذا ما خرجت السمكة .