***

بحث هذه المدونة الإلكترونية

جارٍ التحميل...
***

الثلاثاء، 19 يوليو، 2016

نور الدين الزنكي

ولد نور الدين عام 511 للهجرة ، ونشأ نشأة عسكرية كأبيه، إلا أنه كان يفوق أباه تقى وورعاً، والمؤرخون المسلمون المعاصرون له يتحدثون كثيراً عن تدينه وزهده وتمسكه بالشعائر الإسلامية، حتى ليُظن أنه أقرب إلى رجل الدين منه إلى رجل الحرب والكفاح ، ولكن الواقع أن نور الدين إلى جانب تقاه وحرصه على حكم بلاده بالقرآن والسنة كان أيضاً رجل حرب وقتال، فهو يحمل القرآن في صدره ويعمل بأحكامه، ويشرع السيف في يمينه يجاهد به الصليبيين بالشام، ويسترد بجيوشه البلاد التي سلبوها من أصحابها المسلمين، علاوة على أنه كان رجل سياسة، يعرف كيف يحكم دولته الواسعة الأرجاء، التي كانت تمتد من الموصل شرقاً إلى القاهرة غرباً، حكماً مستنيراً حكيماً لا يزال صداه يطرق أسماع التاريخ.
وكان عماد الدين والد نور الدين آخر من ولي إمارة الموصل، كأمير من أمراء السلاجقة سنة 521 ، وكان عند عماد الدين من الطموح ما أهله لأن يكون منشئ دولة عرفت باسمه ، وإن كان عماد الدين لم يمهله الأجل حتى يمد أطرافها إلى الحدود التي كان يقدرها لها إلا أن ابنه نور الدين حمل عاتقه استكمال ما انتهى إليه أبوه، حتى أصبحت الدولة الزنكية – أو الدولة الأتابكية- تشمل الموصل والجزيرة العراقية، والشام، ومصر، واليمن، بعد أن كانت تشمل الموصل، والجزيرة، وبعض بلاد الشام فقط في عهد عماد الدين.
توفى عماد الدين والد نور الدين عام 541 هـ بعد أن ترك وراءه سيرة جليلة جديرة بالدراسة، فهو أول من وقف في وجه الصليبيين منذ أن وطئوا أرض الشام عام 490 هـ وقوفاً جاداً حاسماً، حتى استطاع أن يسترد كثيراً من البلاد التي سلبوها من أصحابها المسلمين، واستطاع أيضاً أن يسترد سنة 539 مدينة الرها التي كانت إحدى إمارات الصليبيين الأربع الكبرى، وبسقوط الرها زلزلت أقدام الصليبيين بالشام، واعتبروا خروجها من أيديهم بداية نهايتهم فيها.
والعمل الجليل الثاني الذي قام به عماد الدين عندما ولى الموصل هو تكوينه دولته من إمارات الجزيرة المشتتة، والتي يحكمها عدة أمراء متنافسون متحاسدون ، وكذلك من بعض إمارات الشام، ولم يكن حالها بأحسن من حال الجزيرة، فكان هذا الوضع في الجزيرة والشام، أحد الأسباب الواضحة في نجاح الصليبيين في التوغل في بلاد الشام والاستيلاء عليها ؛ لأنهم لم يجدوا قوة موحدة تستطيع الوقوف أمامهم وصد زحوفهم، فلما ولى عماد الدين الموصل، عمل على تجميع هذه الإمارات في يده، وكوَّن منها دولته، وبهذه الدولة الموحدة القوى استطاع عماد الدين أن يواجه الصليبيين ، وأن ينتصر عليهم.
وكان عماد الدين يحرص على ضم دمشق إلى دولته، وجعلها عاصمة لها ومركز المقاومة الإسلامية للعدو الدخيل، وليستكمل الوحدة بين الموصل والجزيرة والشام، ولكن الموت عاجله في سنة 541 قبل أن يحقق هذه الوحدة.
وبموت عماد الدين انتقل عبء مجاهدة الصليبيين، واستكمال عملية التوحيد إلى ابنه الثاني نور الدين دون ابنه الأكبر سيف الدين غازي ؛ ذلك لأن الدولة انقسمت بوفاة عماد الدين إلى قسمين: الغربي منها كان من نصيب سيف الدين غازي وقاعدته الموصل، والشرقي كان من نصيب نور الدين وقاعدته حلب، وهو القسم الذي يدخل في صميم المجال الصليبي، فكان طبيعياً أن يقع على عاتق نور الدين أمر مجاهدتهم، وذلك لبعد سيف الدين عن هذا المجال.
ونحن لا نريد في هذه العجالة أن نتحدث عن نور الدين بالتفصيل، وإن كانت سيرته من السير الجليلة التي يستحب فيها التفصيل والإطالة، وإنما هدفنا هنا إبراز ما حققه نور الدين من أعمال ذات نتائج خطيرة وهامة في مدى الثلاثين عاماً التي عاشها كرئيس دولة فتية قوية، حتى قضى نحبه في سنة 569 هـ.
وأجلّ أعمال نور الدين تبرز في الأمور الثلاثة الآتية:
1ـ جهاده للصليبيين.
2 ـ استكمال تكوين الدولة الزنكية.
3 ـ النهضة الإصلاحية في عهده.
جهاده للصليبيين:
ما كان الصليبيون يعلمون بوفاة عدوهم الأكبر عماد الدين حتى شملهم الفرح وداخلهم الاطمئنان، استهانوا بنور الدين، وأملوا في استرجاع ما استخلصه أبوه منهم من البلاد، فأشبوا قرنهم واستبسلوا، فأغار صاحب أنطاكية الصليبي على حلب وحماة، فردّهم عنها جيش نور الدين. واستولى جوسلين على الرها في غفلة من الأخوين نور الدين وسيف الدين، ولكن سرعان ما خرج إليه نور الدين بجيشه، فأطلق جوسلين ساقيه للريح هارباً، فدخل نور الدين الرها واستردها، وحطم آخر أمل للصليبيين في استعادتها، وعندئذ فطن الصليبيون إلى أن الخطر عليهم لا يزال قائماً، وإذا كان عماد الدين قد مات فإنه ترك من بعده من لا يقل عنه قوة وخطراً.
كان حادث الرها أول لقاء بين نور الدين وبين الصليبيين وجهاً لوجه، ثم تعدد اللقاء بعد ذلك وكثر، فدارت المعارك بينه وبينهم مدة الثلاثين عاماً التي عاشها، كان النصر في مجموعها حليف نور الدين.
ومن العجيب أن ينعي المؤرخ الإنجليزي ستيفنسن على نور الدين أنه لم يجاهد الصليبيين المجاهدة التي كانت منتظرة منه، حيث يقول: "النجاح الذي أحرزه نور الدين ضد اللاتين أثناء حكمه كان أقل مما كنا نتوقع". ولعل المؤرخ الإنجليزي يعني بهذا أن نور الدين لم يستول على إمارة من الإمارات الصليبية الكبرى، مثل أنطاكية، أو طرابلس، أو بيت المقدس، كما فعل أبوه الذي استولى على الرها، ويُرد على هذا بأن نور الدين لم يتوانِ عن جهاد الصليبيين ومحاربتهم حتى أشغلهم عن بقية البلاد التي استعصت عليهم ، وفضلاً عن ذلك فإن نور الدين استولى على كثير من البلاد والحصون التي بأيديهم، مثل: أرتاح، وحصن ما بوله، وسرفوث، وكفر لاثا، وهاب، وصافيتا، والعريمة، وأفامية، وتل باشر، وحارم، وعينتاب، وعزاز، ودلوك، وبانياس، والمنيطرة، وأيلة.
ولا يعد هذا العمل ضيئلاً، فقد كانت هذه المواضع كلها مواضع حصينة خطيرة وخروجها من يد الصليبيين أثر في قوتهم وأضعفهم إلى حد كبير، فقد حرمهم نور الدين من قواعد حربية ممتازة كانت تحيط بالبلاد الإسلامية المجاروة لها، وكان الصليبيون يشنون منها الغارات على المسلمين، فكان المسلمون بسببها في ضيق شديد وخوف دائم، فاستيلاء نور الدين عليها قد حمى البلاد التي تجاورها، وأصبح أهلها في أمن واطمئنان.
وقد حاول نور الدين الاستيلاء فعلاً على أنطاكية وطرابلس ، ولكن الظروف لم تواته، بل إنه وضع استرداد بيت المقدس نصب عينيه، وكان يأمل أملاً كبيراً في استرداده، حتى إنه أمر بصنع منبر للمسجد الأقصى في حلب، ولكن الموت لم يمهله حتى يقدم للمسلمين بيتَ المقدس هدية ثمينة كانوا يتوقون إليها منذ أن استولى عليه الصليبيون سنة 492 هـ.
وفات ستيفنس أن نور الدين ضرب الصليبيين ضربتين عنيفتين لا يقل أثرهما –إن لم يزد- عن أثر سقوط الرها، وذلك باستيلائه على دمشق ومصر، اللتين كانتا مطمح أنظار الصليبيين، وكان من أكبر أهدافهم الاستيلاء عليهما، فكثيراً ما حاصروا دمشق ، وشنوا الغارات العديدة عليها بقصد الاستيلاء عليها، ولكنهم فشلوا لقوة صاحب دمشق أحياناً، ولإرضائهم بالمال أحياناً أخرى، حتى جاء الوقت الذي بلغ فيه صاحب دمشق حداً كبيراً من الضعف، فخشي نور الدين عليها من السقوط في أيديهم، فاستولى عليها سنة 549 هـ.
وكانت نتيجة هذا الاستيلاء أن أصبح الصليبيون محاصرين على الساحل، وأصبح الطريق إلى مصر مفتوحاً أمام المسلمين، واستطاع نور الدين فعلاً أن يستولي على مصر سنة 564 هـ.
وما يقال عن دمشق يقال عن مصر أيضاً، فقد كان الصليبيون يتحرقون إلى الاستيلاء عليها تحرّقهم إلى الاستيلاء على دمشق ، ذلك أن استيلاءهم على مصر ذات المركز الاستراتيجي الممتاز يسهل عليهم الاتصال بالغرب الذي أخذ على عاتقه إمدادهم بالمقاتلة والمؤن والسلاح، فطريق مصر ييسر لهم هذا الاتصال ، وييسر لهم وصول ما يحتاجون إليه، فضلاً عما تمتاز به مصر من الثروة والرخاء وكثرة الأموال ، بل لعلهم عن طريق مصر يستطيعون استرداد ما فقدوه من بلاد الشام، فالطريق من مصر إلى الشام براً يصبح سهلاً وميسوراً لهم.
وخلاصة القول في الرد على ستيفنس وغيره ممن يستهين بعمل نور الدين إزاء الصليبيين، أن نور الدين لم يألُ جهداً في جهاد الصليبيين ، والعمل على إخراجهم من الشام، ولو طال به الأجل لرأى ستيفنس وغيره من الأوربيين من نور الدين ما يرضيهم – أو يزعجهم- عن جهاده الصليبيين.

الوحدة الشامية المصرية:
والعمل البارز الثاني لنور الدين هو جمع الموصل والجزيرة العراقية والشام ومصر واليمن في دولة واحدة، تحمل اسم الدولة الزنكية- أو الدولة الأتابكية. وكان والده عماد الدين يتوق إلى أن يتم التوحيد بين الموصل والجزيرة والشام على عهده، وهو وإن كان استولى على كثير من بلاد الشام إلا أنه كان يحرص على ضم دمشق إلى دولته ؛ ليجعل منها قاعدة في وسط البلاد التي بيد الصليبيين، فيجاهدهم من الشمال أي من حلب، ومن الجنوب أي من دمشق، ولكن الظروف لم تسعفه لتحقيق هذه الأمنية. فلما مات عماد الدين وخلفه ابنه نور الدين استطاع نور الدين بحذقه ومهارته السياسية أن يستولي عليها سنة 549، وباستيلائه عليها حقق ما كان يصبو إليه والده من التوحيد بين الموصل والجزيرة والشام ، بل لم يكتفِ نور الدين بذلك فهو يعلم أن مصر هدف الصليبيين منذ أن وطئت أقدامهم أرض الشام، ويعلم أيضاً أن مصر أصبحت في حالة من الضعف بحيث أصبح الصليبيون يتدخلون في شئونها الداخلية، فعزم على إنقاذها من أيديهم، ولكن الصليبيين سبقوه إليها واستولوا على بلبيس وحاصروا القاهرة، فأرسل نور الدين قائده أسد الدين شيركوه وابن أخيه صلاح الدين بن أيوب بجيش فحررها من الصليبيين وطردهم منها سنة 564 هـ. وظل شيركوه في مصر يعمل وزيراً للخليفة الفاطمي في الظاهر ، وباسم نور الدين في الباطن حتى إذا مات شيركوه خلفه في الوزارة ابنُ أخيه صلاح الدين، فأسقط الخطبة للفاطميين، وخطب للخليفة العباسي ولنور الدين، وبهذه الخطبة كان إعلان دخول مصر في الوحدة الشامية الموصلية، وصيرورتها جزءاً هاماً من الدولة الزنكية الموحدة ، ثم لم يلبث صلاح الدين أن انتهز فرصة اضطراب الأمور في اليمن فاستولى عليها باسم نور الدين ، وضمها إلى الدولة الفتية، فأصبح اسم نور الدين يردد على منابر الموصل، ودمشق، ومصر، واليمن.

النهضة الإصلاحية :
وإذا كان نور الدين امتاز بالبراعة السياسية والحربية فإنه كان إلى جانب ذلك مصلحاً اجتماعياً كبيراً، وصاحب نهضة رائعة تدين له الدولة بالكثير من الإصلاحات في جميع النواحي. ولسنا على كل حال بمستطيعين أن نميز أي عمل من أعمال نور الدين الإصلاحية عن غيره من الأعمال، فكل عمل عمله نور الدين يستحق الإعجاب والتقدير. فإذا اتجهنا إلى اهتمامه بمصالح رعيته، وجدناه يعمل على راحتهم وطمأنينتهم على معايشهم ويتسير سبل الحياة الطيبة لهم. وجد نور الدين أن الخمور منتشرة في بلاده، والخمر أس البلاء وأم الكبائر، فأصدر أمره بمنع دخولها في جميع أنحاء مملكته، وكان يحدّ شاربها الحدّ الشرعي، لا فرق إن كان شاربها غنياً أو فقيراً، كبيراً أو صغيراً، فالكل عنده سواء. وكان يريد للناس صفاء العقيدة، والإيمان الحقيقي، لا يضللهم مضلل أو يفسدهم مبتدع. فكان يضرب على يد كل مبتدع يعمل على إفساد عقائد الناس، وينفيه بعيداً يلقى جزاء ضلاله. أما تخفيفه على الناس معايشهم، فإنه أسقط جميع المكوس والعشور من بلاده ، ولم يسْتبْقِ سوى الخراج والجزية، على كثرة ما كان يجمع من هذه المكوس والعشور. ومنع عن رعاياه ظلم قواده وأمرائه ، ولما رأى نور الدين أن الشكوى قد كثرت من أتباع قائده أسد الدين شيركوه أمر بإنشاء دار العدل لمحاكمة الظالمين، فلما علم أسد الدين بذلك، أمر أتباعه برد المظالم إلى أهلها ، وشدد عليهم في ذلك؛ خوفاً من أن يحمله نور الدين مسئولية ظلم أتباعه، فيطلبه إلى المحاكمة العلنية ؛ فتضيع هيبته وتضعف مكانته عند الناس، فنفذ أتباعه ما أمرهم به، وردوا إلى الناس حقوقهم. ولما تم بناء دار العدل، كان نور الدين يجلس فيها يومين في الأسبوع للفصل في الخصومات بحضوره.
ومنع نور الدين تعدّي الجند والعسكر على أحد من الناس ، فكانت أوامره لرجال جيشه صارمة بوجوب احترام حقوق الناس في أموالهم وأرواحهم وأعراضهم ، وعدم التعدي عليها ، ومن ناحية أخرى كان يوفر لجنده احتياجاته المعاشية، فكان الجند لا يمدون يد الأذى إلى أحد، إما خوفاً من نور الدين وإما قناعة. ووجه نور الدين اهتمامه إلى الناحية الصحية اهتماماً كبيراً، فأنشأ البيمارستانات في بلاده، وأشهرها البيمارستان النوري بدمشق، وجعله للناس كافة فقراء وأغنياء، وزود البيمارستانات بالأدوية والعقاقير والأطباء والخدم، وأوقف عليها الأوقاف الكثيرة للإنفاق عليها. أما اهتمامه بالتعليم ونشره في بلاده وبين رعاياه، فقد سار فيه شوطاً بعيداً، فأكثر من إنشاء المدارس في جميع أنحاء مملكته، وأحضر إليها كبار المدرسين، واهتم بدمشق بصفة خاصة، فبنى فيها دار الحديث خصيصاً للعالم المؤرخ الكبير الحافظ ابن عساكر ، يقول ابن الأثير المؤرخ : إنها أول دار للحديث بنيت في الإسلام على ما يعلم ، ولم ينسَ نور الين الفقراء واليتامى فأعطاهم نصيبهم من التعليم، فأنشأ لهم المكاتب، وأجرى عليهم وعلى معلميهم الرواتب والجرايات الوافرة.
كذلك اهتم اهتماماً كبيراً بالجوامع والمساجد، فبنى منها الكثير ؛ تيسيراً على المسلمين لأداء فريضة الصلاة، واعتنى بحسن هندستها وبنائها، خاصة الجامع الذي بناه بالموصل، فقد بلغ "النهاية في الحسن والاتقان". وكذلك جامع حماة فكان "من أحسن الجوامع وأنزهها" ورتب في هذه الجوامع من يقرأ بها القرآن.
أما الوقوف الخيرية التي وقفها على البيمارستانات والمدارس والمكاتب والجوامع، فقد بلغت مبلغاً كبيراً ، يذكر المؤرخ ابن الأثير أن وقوفه بلغت حتى سنة 608 هـ في كل شهر تسعة آلاف دينار صورية.
واعتنى نور الدين بتأمين المسافرين والتجار على أرواحهم وأموالهم من اللصوص وقطاع الطريق، فبنى الخانات الكثيرة في الطرق "فأمن الناس وحفظت أموالهم ، وباتوا في الشتاء في كن من البرد والمطر" كذلك أمّن الطرق التي بين بلاده والبلاد التي في يد الصليبيين، فبنى فيها الأبراج وشحنها بالحراس والمقاتلة، وزوّدهم بالطيور الهوادي، "فإذا رأوا من العدو أحداً، أرسلوا الطيور، فأخذ الناس حذرهم واحتاطوا لأنفسهم، فلا يبلغ العدو منهم غرضاً".
أما مناقب نور الدين الشخصية فهي بارزة وعديدة ، فقد اهتم نور الدين بتثقيف نفسه ثقافة دينية، فدرس الفقه على مذهب أبي حنيفة، وسمع الحديث حتى أجاده، فأخذ يسمعه بدوره للناس طلباً للأجر، وكان يعقد حلقات الدرس والبحث، فيجمع حوله العلماء يتدارسون ويبحثون ، وكان يشاركهم الدراسة والبحث عن علم وفهم ؛ لذلك كان العلماء والصوفية من أحب الناس إليه، فبنى للصوفية الربط والخانقاهات، ووقف عليهم الوقوف الكثيرة، وأدر عليهم الإدرارات الصالحة، وكان يدعو مشايخهم إليه، ويقربهم ويدنيهم ويباسطهم ويتواضع لهم. وكذلك كان مع العلماء، فكان "يفعل بالعلماء من التعظيم والتوقير والاحترام ، ويجمعهم عنده للبحث والنظر، فقصدوه من البلاد الشاسعة من خراسان وغيرها ، فكان أهل الدين عنده في أعلى المنازل وأعظمها".
وقد حدث أن بعض الأمراء حسد الفقيه الشافعي قطب الدين النيسابوري لمكانته عند نور الدين – وكان نور الدين قد استقدمه من خراسان ، وبالغ في إكرامه والإحسان إليه – فنال الأمير يوماً من قطب الدين عند نور الدين، فقال له نور الدين: يا هذا، إن صحّ ما تقوله فله حسنة تغفر كل زلة تذكرها، وهي العلم والدين ، وأما أنت وأصحابك ففيكم أضعاف ما ذكرتَ، وليس لكم حسنة تغفرها، ولو عقلت لشغلكَ عيبُك عن غيرك، وأنا أحتمل سيئاتكم مع عدم حسناتكم أفلا أحتمل سيئة هذا – إن صحت- مع وجود حسنته، على أنني والله لا أصدقك فيما تقول، وإن عدتَ وذكرتَه أو غيرَه بسوء لأؤدبنَك، فكفّ الأميرُ عنه. ولكن والحق يقال أن نور الدين لم يفرد العلماء بهذه الميزة، أعني بعدم الاستماع إلى الوشاية فيهم، وإنما هذا كان مبدأه بصفة عامة ، يقول ابن الأثير: إن نور الدين كان لا يعاقب بالظنة والتهمة كما يفعل غيره من حكام ذلك الوقت، "وإنما يطلب الشهود على المتهم، فإن قامت عليه البينة الشرعية عاقبَه العقوبة الشرعية من غير تعدّ".  وهكذا كان نور الدين يعدل في حكمه بين الناس جميعاً ، لا فرق بين عالم وجاهل، وهذا نتيجة اتجاهه إلى الدين في حكم دولته.
وسلك نور الدين في حياته الخاصة سبيل الزهد والعبادة، فقد زهد في الدنيا فلم يتمتع بمباهجها، حتى حرم على نفسه الحرير والذهب، بل الفضة حرمها على نفسه أيضاً ، وزهد في أموال الدولة وبما في أيدي الناس، فلم يمد يده إليها بنهب، وإنما كان ينفق من ماله الخاص، وهو نصيبه من غنائم الحرب وما يخصه من بيت المال ، وقد استفتى الفقهاء في المقدار الذي يحل له أخذه من بيت المال، فلم يتعد هذا المقدار طيلة حياته. وقد حدث أن شكت زوجتُه قلة النفقة عليها، وطلبت منه الزيادة في النفقة فغضب منها، وقال لها : إن المال مال المسلمين وهو خازنهم عليها ، فلا يخونهم ويدخل جهنم بسببها، وكان له بمدينة حمص ثلاث دكاكين فوهبها لها ، ودخل يوماً خزانة الأموال فرأى فيها مالاً أنكره، فسأل عنه الخازن، فأخبره أن القاضي كمال الدين الشهرزوري أرسله من جهة سماها له، فقال نور الدين : إنه ليس في هذه الجهة مال له أو لبيت المال، وأمر بردّه ، فردّه القاضي مرة أخرى، وأرسل مع الرسول أن يقول لنور الدين : أن هذا المال له خاصة ، ولكن نور الدين رفضه ، وردّه لأنه ليس له ولا يحل له أخذه.. وأرسل إلى القاضي يقول له: "أنت تقدر على حمل هذا، وأما أنا فرقبتي رقيقة، لا أطيق حمله والمخاصمة عليه بين يدي الله تعالى". وبعد كل هذا يبرز نور الدين كمحارب شجاع، يخوض المعارك بنفسه، ويتقدم على الجند أثناء القتال ، وكان قوي الثقة بنفسه، لا تضعفه هزيمة، ولا يبطره انتصار، حتى انتصاره في الحروب لا ينسبه لنفسه أو لمهارته وشجاعته، وإنما ينسبه إلى الله، وكان يشغل وقت فراغه، أو وقت راحته من مهام الدولة، إما بين العلماء باحثاً ودارساً، وإما في ميدان الفروسية يلعب بالكرة. ويذكر ابن الأثير عن فروسية نور الدين أنه لم يكن على ظهر الفرس أحسن من نور الدين ، وكأنه خلق عليه لا يتحرك ولا يتزلزل ، وأنه "كان من أحسن الناس لعباً بالكرة وأقدرهم عليها لم يُرَ جوكانُه يعلو رأسه، وكان ربما ضرب الكرة فتعلو فيجري بالفرس ويتناولها بيده من الهواء ويرميها من آخر الميدان، وكانت يده لا ترى والجوكان فيها ، بل يكون في كم قبائه استهانة باللعب".

للأستاذ / عبد القادر طليمات

حركة فرسان المعبد

إحدى أشهر الحركات المسيحية السرية التي نشأت أثناء الحروب الصليبية وبالأخص تقريبا بعد الحملة الصليبية الأولى . دعمتهم الكنيسة الكاثوليكية رسميا في عام 1129 لذا زاد حجمهم بسرعة وأصبحوا أقوياء. كانو يلبسون لباسا أبيض مع صليب احمر وكانوا مدربين ومسلحين بشكل جيد.  بنوا قلاعا كثيرة في أوروبا والأرض المقدسة

النشأة
المنظمه وجدت في العصور الوسطى ، وقد أسست في أعقاب الحملة الصليبية الأولى عام 1096 لضمان سلامة العديد من حجاج بيت المقدس من المسيحيين الغربيين من أوروبا كهدف أساسي و رسميا أقرتها الكنيسة الكاثوليكية الرومانية في عام 1128 ، 1129 وأصدرت لفرسان المعبد وثيقة أقسموا فيها بإلتزام الطاعة كشعارا لهم ولأعمالهم ونمت هذه الحركة بسرعة وأصبحت ذات شهرة وقام فرسان المعبد في بادئ الأمر بأعمال جيدة منذ نشأتهم وتميزوا بالشجاعة في المعارك ، وأصبحت حركة فرسان المعبد ثرية جدا في القرن الثاني عشر نتيجة الهبات التي كانت تأتي أليهم من جميع البلدان الغربية التي شجعت أعمالهم حيث أنها قامت على أعمال مميزة وجديرة بالإحترام من الناحية الدينية وقامت في بادئ الأمر بتجنيد الفرسان المزنبين والمطروديين من الخدمات العسكرية وكنتيجة لحماية رجال الكنيسة لهم والباباوات والأساقفة لم يتم نفيهم من الكنائس بل سمحوا لهم بإنشاء كنائسهم الخاصة .

تاريخهم
تاريخ فرسان المعبد يضم حوالي قرنين من العصور الوسطى تأسست عام 1100م في وقت مبكر ثم تم حلها في وقت مبكر عام 1300s نتيجة سوء سمعتهم في هذا الوقت .  فرسان المعبد يعود مصدرهم إلى الوراء بعد فترة قصيرة من الحملة الصليبية الأولى حوالي 1119
قام هيوجز دي بانز بجمع ثمانية من أقاربه الفرسان من ضمنهم جيودوفري دي سانت أومير وبدأ الأمر إلتزموا في هذا الوقت بحماية رحلات الحجاج إلى الأماكن المقدسة إقتربوا في هذا الوقت من الملك بلدوين الثاني ملك القدس الذي سمح لهم بإقامة مقر على الجانب الجنوبي الشرقي من الحرم الشريف ، داخل المسجد الأقصى كان تل الهيكل (مقرهم) مكان مقدس لكل من اليهود و المسيحيين و المسلمين على السواء على مر التاريخ وبالنسبة لليهود خاصة أنه مكان هيكل سليمان كما يقال أنه مكان الذي أمر فيه النبي إبراهيم بالتضحية بإبنه إسماعيل أيضا هو من المناطق المهمة للمسلمين حيث قام الخليفة عبد الملك بن مروان ببناء مزار إسلامي كبير بجانب المسجد الأقصى الذي قدم إلية سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم في رحلة الإسراء ومعراج ثم أعرج به منه إلى السماء وقام الخليفة عبد الملك بن مروان 
ببناء مسجد قبة الصخرة .  حول الصليبيون المسجد الأقصى في هذا الوقت إلى كنيسة وسميت معبد الرب أو  templum  Dominitemplar  عرف القليل عما كانوا يفعلونه في السنوات التسع الأولى ولكن في عام 1129 عندما أصبحوا حركة رسمية من جانب الكنيسة في مجلس تروي أصبحوا مشهورين جدا في شتا أنحاء أوروبا ومكنتهم هذه الشهرة من جمع تبرعات ضخمة من الأموال والأراضي و تجنيد الفرسان للإيحاء بأنهم على مقدرة للدفاع عن القدس .  نمت الحركة السرية لفرسان المعبد بشكل كبير من خلال أوروبا الغربية في فرنسا و أسكتلاندا و إنجلترا وبعد ذلك إنتشرت إلى أسبانيا و البرتغال .

إنهيار حركة فرسان المعبد
إرتبط مصير فرسان المعبد بالصليبيين لذلك بعد ما خسر الصليبيين خف دعم فرسان الهيكل ثم ثارت إشاعات بأنهم عصابات سرية لذلك بدأ ملك فرنسا فيليب الرابع وكان مديونا لهم فقام بسجنهم وبتعذيبهم حتى يعترفوا بجرائم ثم يحرقهم على أعمدة وفي عام 1312 ألغى بابا الفاتيكان كليمنت جيش حركة فرسان المعبد حيث وصلت القوة المفرطة لفرسان المعبد إلى أقصاها من قوة مالية وكعصبة مستقلة عن الجيوش يمكنها عبور أي حدود فقد كانوا يقومون بأعمال بنكية و مصرفية دولية يغنمون منها أرباحا طائلة . وفي عام 1305 ساءت سمعة فرسان المعبد إلى أقصى حد حيث أصبحوا موضع شك من ناحية الأهداف التي تأسس عليها حركتهم ونسب أليهم عدد من الأعمال الرذيلة مثل الإدمان وشرب الخمور والزنى وما شابة من الرذائل فأمر البابا كلمنضس الخامس في عام 1305 أستاذهم الأعظم وهو جاك دي مولاي أن يغادر قبرص حيث كان يقوم بتنظيم القوات الصليبية في هذا الوقت وقامت محاكمات كثيرة لعدد من الفرسان على أثر السمعة السيئة والأعمال الرزيلة .