***

بحث هذه المدونة الإلكترونية

جارٍ التحميل...
***

الاثنين، 14 يوليو، 2014

الطلقة التي أشعلت الحرب العالمية الأولى

الأرشودوك فرانس فيرديناند
في حزيران-يونيو من عام 1914وفي زاوية معزولة من أوربا كان مجرم شاب بانتظار الأرشودوك فرانس فيرديناند ولي عهد العرش النمساوي المجري بصحبة زوجته صوفيا، ولكن القنبلة أخطأت الهدف فتم التحذير من وقوع الكارثة. في أيار مايو من عام 1910 وفي مراسم دفن الملك إدوارد السابع في انجلترا كانت أوروبا تعيش بسلام، وقد جاء ملوك ورؤساء دول من سبعين بلد لتقديم التعازي وسط استعراض عسكري للقوة. كان ذلك أكبر حشد من الملوك شهده العالم على الإطلاق وخلف ملامح الود والصداقة كانت كل من القوى العظمى تسعى لحماية مصالحها المختلفة، بريطانيا وفرنسا والإمبراطورية الروسية كانوا موحدين حول حاجاتهم لحماية إمبراطوريتهم الشاسعة، ومن بينهم كانت تقف دولتان قويتان هما ألمانيا والنمسا المجرية الذين كانا يحلمان بالسيطرة على أوروبا. سلحت السفن الحربية والجيوش التي كانت تبلغ مائتي ألف جندي قبل بضعة عقود، أصبحت اليوم تعد بالملايين. عام 1914 كانت أوروبا في الجولة الأولى من سباق التسلح. حكم الإمبراطور العجوز فرانس جوزيف إمبراطوريته النمساوية الهنجارية في وسط أوروبا على مدار ستة وستين عامًا وكان في عامه الرابع والثمانين حتى أن غالبية رعاياه يعيشون في ظله منذ ولادتهم، وكان يصحو من سريره الحديدي تمام الرابعة فجر كل يوم في مقر عرشه في بلاط فيينا. بعد انتحار ابنه أًعلن قريبه فرانس فرديناند وليًا للعهد، كان فيرديناند يكره فيينا ويفضل العيش في قصر كونوبسيت الخرافي الواقع في إحدى ضواحي مدينة براج، هناك بعيدًا عن رسميات فيينا دعا مجموعة من الشخصيات الهامة للتمتع بالقصر وما حوله.  في أوائل حزيران-يوليو من عام 1914 ارتدى ملابسه التقليدية المعززة بالريش، واستقبل أحد أقوى رجال أوربا القيصر وليم الألماني. كان الإمبراطور وليم على قناعة تامة بأهمية التحالف بين ألمانيا والنمسا المجرية، وكان يسعى إلى ولي العهد لضمان الصداقة بين القوتين. في قصر كونوبست كان وليم وفرديناند يتناقشان في السياسة أثناء تمتعهما في شغفهما المشترك وحب الصيد، أعجب فرديناند جدًا بالصيد وقد صاد بنفسه أكثر من خمسة آلاف حيوان، وليس غريبًا عنه اصطياد ألفي طير في اليوم الواحد إلى جانب الغزلان والحيوانات البرية التي كانت تعبر الغابات الأوربية. كانت ممرات القصر تعج بآلاف الجوائز ولكن حتى في انسحابه الآمن إلى كونوبست كان يشعر بالخطر. في بلاد الصرب التي تقع إلى الجنوب من النمسا المجرية، كانت توجد مملكة إلى جانب الإمبراطورية صربيا التي كانت تصر على إقامة إمبراطورية سلافية تحت إمرتها. عام 1908 ضمت الإمبراطورية النمساوية المجرية المحافظات المجاورة، فسيطرت على البوسنة والهرسك وحصلت ردات فعل عنيفة، تهديدات صربيا أصبحت واضحة فقد تحولت إلى عدو خطير.
الإمبراطور  فرانس جوزيف
صوفيا شوتيك
من خلف أبواب صربيا والبوسنة والهرسك انتشرت في أوروبا منظمة سرية تعرف باسم الأيادي السوداء، بعد أن جندت طلابًا متطرفين وفلاحين فقراء كانت هذه المنظمة تطلب من عناصرها التضحية الكاملة تحت شعار يقول النصر أو الموت، أما هدف أعضاء المنظمة فهو تحرير إخوتهم الصرب من السيطرة النسماوية المجرية ومن ثم توحيد صربيا عبر مجموعة من أعمال العنف. فيرديناند كولي عهد للإمبراطورية النسماوية المجرية واحدًا من الأهداف الرئيسية للأيادي السوداء، كان فيرديناند صيادًا وجامعًا للأسلحة يتفاخر باستعراض كل ما لديه من أسلحة تعود للعصور الوسطى أمام ضيوفه.
في حزيران-يونيو من عام 1914 قرر فيرديناند أن يتفقد شخصيًا الوحدات العسكرية الإمبراطورية في مناورة تقيمها في العاصمة الرئيسية للبوسنة والهرسك سراييفو، فقرر الذهاب إلى محافظة المشاكل على اعتباره المراقب العام للقوات المسلحة، فرأت صربيا بوضوح أخطار النمسا والمجر قريبة منها، حين سمع أعضاء الأيادي السوداء بمجئ فيرديناند إلى سراييفو بدأت التحضيرات لاغتيال الأرشدوق. من بين القتلة الرئيسيين عرف صديقان هما كابرينوفيك وبرانسيب وكانا كباقي المجندين أسيري البؤس والفقر ويأملان بتحرير صربيا من عدوها اللدود. سبق لفرانس جوزيف أن زار المحافظة بنفسه قبل أربعة أعوام وسط حراسات مشددة، وقد نصح قريبه بأن احتمالات الاغتيالات واردة ولكنه لم ينصحه بعدم الذهاب، افعل ما تراه مناسبًا هذا كل ما قاله، لم يكن الحب كبيرًا بينهما أما السبب في ذلك فهو امرأة، حين علم فرانس جوزيف بأن فيرديناند كان يعرض الزواج سرًا على صوفيا شوتيك طلب منه أن يختار بين رغبته في الزواج منها وواجبه، تصرف فيرديناند بعناد أراد الاحتفاظ بالاثنين معًا، وبعد أشهر من المفاوضات وافق فرانس جوزيف على زواجه شرط أن يحرمها وأبناءها من كل الألقاب المستقبلية، ما كان لأي منهما أن ينسى أو يغفر للآخر، عاش فيرديناند لصوفيا وأبناءهما الثلاثة صوفيا الصغيرة ومكسميليان وآرنست، وقد قال بهذا الصدد زواجي من صوفية كان أكثر الأعمال التي قمت بها ذكاءً. حين علمت صوفيا بالتحضيرات الجارية لتفقد المناورة الجارية في سراييفو أصرت على الذهاب مع زوجها على أن يتركا الأطفال في كونوبست. في هذه الأثناء علم القتلة الشبان من منظمة الأيدي السوداء بأن فيرديناند وزوجته سيعبران شوارع سراييفو بسيارة مكشوفة، فحددوا على الخريطة موقعًا لكل منهم، حدد موقع برينسيب في مواجهة دكان شينيرز، ليقف كابرونوفيك عند أحد الجسور في شارع أبيل وكانت الطريق بينهما مغطاة. في اليوم السابق لخروجهما تمتع فيرديناند وصوفيا بصحبة قيصر ألمانيا وليم، عند نهاية زيارته كان فيرديناند كان متأكدا من دعم وليم له ضد صربيا، أما صوفيا فقد سرت بصحبته إذ على خلاف علاقاتها النمساوية كان يبادر إلى معاملتها كملكة من مستواه تمامًا. في هذه الأثناء، كانت محاولة الاغتيال جاهزة لاستقبال الزيارة الملكية، مع استعداد فيرديناند وصوفيا للذهاب إلى سراييفو أصيبت صوفيا بالخوف، كان الصرب يكرهون النمسا المجرية وولي العهد فيرديناند وكانت خائفة على حياته، ولكن إذا ما كان الخطر يحدق به ما كانت لتترك زوجها وحيدًا. قبل شهر من ذلك قام ثلاثة شبان هم برنسيب وكابرينوفيك ومعهما ثالث بالقيام بأعمال السرقة عبر الأرياف من صربيا وحتى سراييفو، وكانوا مسلحين بالمسدسات والقنابل والسينايد بتمويل من بلجراد، فاستنفروا المخبرين ورجال الشرطة حتى عبروا الأرياف إلى مدينة سراييفو.  بدأت سراييفو العاصمة المتعددة الأديان بتحضير نفسها للاحتفال بالمناسبة، فخرجت الحشود إلى وسط العاصمة المختلطة من القرى المجاورة في كرواتيا وصربيا لمشاهدة الزوجين الملكيين، زينت الشوارع بالديكورات وانتشرت في أنحاءها الإجراءات الأمنية ووزعت الوجهة الرئيسية لأصحاب العرش على قصاصات ورق في أرجاء المدينة، كان الأمن من مهمات الحاكم البوسني الجنرال دوتيوريك بينما كان آلاف المخلصين جاهزين للمشاركة في المناورة منعوا من التجوال في المدينة التي سلمت إلى مجموعة أمن صغيرة من رجال الشرطة، كان الحاكم متأكدًا بأن الحشود لن تشكل أي تهديد. يوم الخامس والعشرين من حزيران-يونيو من عام 1914 وصل فيرديناند وصوفيا إلى فندق في ضواحي سراييفو، بدأت صوفيا بزيارات رسمية لمدة يومين إلى مدارس أيتام وكنائس في سراييفو، في هذه الأثناء كان فيرديناند يتفقد مناورات الوحدات الإمبراطورية في منطقة جبلية إلى الجنوب الغربي من المدينة، شارك في المناورة اثنان وعشرين ألف جندي فرق البوسنة الخامسة عشرة التي هاجمت قوة كرواتيا السادسة عشرة تحت قيادة الحاكم الجنرال بوتيوريك. بعد يومين شعر فيرديناند بالسرور من كل ما شاهده، فبعث بتلجراف للإمبراطور جوزيف يوم السابع والعشرين، وقال فيه: وضع القوات وتدريباتها وأداؤها القتالي كان رائعًا إلى أبعد حدود سأقوم غدًا بزيارة سراييفو لأغادرها مساء. فيرديناند كان واثقا من الاستقبال الحار، صباح يوم الثامن والعشرين انطلق فيرديناند وصوفيا من الفندق حيث يقيمان، لم يكن يوم الثامن والعشرين يومًا قابلا للشك بالنسبة لصرب سراييفو قبل خمسمائة وخمس وعشرين عامًا كان الأتراك قد غزو السلاف وفي هذه الذكرى لتلك الهزيمة جاء حكام آخرون لإخضاعهم. تتضمن خطة الزيارة الملكية المرتقبة جولة عبر شارع أبيل إلى جانب نهر ميلجيكا صعودًا حتى مقر إدارة المدينة، حيث يتولى رئيس البلدية رسميًا استقبال الأرشدوق وزوجته نيابة عن المدينة. انتشر الستة مجرمين على جانبي الطريق على أمل أن تتسنى لهم فرصة لتوجيه ضربتهم، توقف كابرونوفيك إلى جانب محل للتصوير وهو يضع قنبلة في جيبه الأيمن بينما يضع منشورًا قوميًا في جيبه الأيسر كي تبقى للذاكرة من بعدي كما ورد في المنشور. في تمام العاشرة والربع عند عند جسر كومورجا وضع كابرونوفيك شجاعته على المحك، أصيب ضابطان وسيدة كانت برفقة السيدة صوفيا صعق فيرديناند وصوفيا إلا أنهما لم يتعرضا لأذى وتم سحبهما بسرعة من بين الحشود والفوضى إلى المركز الإداري للمدينة. قذف كابرونوفيك نفسه في النهر ضمن محاولة يائسة للهرب، عندما وجد نفسه محاصرًا ابتلع السيانيد .
وصل الزوجان الملكيان إلى قاعة المدينة حيث كان رئيس البلدية جاهزًا لاستقبالهما، فقال: قلوبنا ملآى بالسعادة لتعطف معاليكم بزيارة هذه العاصمة، فقاطعه فيرديناند قائلاً: كم هو رائع خطاب رئيس البلدية هذا، نأتي إلى سراييفو ضمن زيارة ودية ليلقي أحدهم علينا قنبلة، أنه أمر لا يحتمل. سقط كابرونوفيك بعد تناوله السينايد فأخذ بعيدًا وهو يفقد الوعي، اقترح أحد معاوني الأرشدوق الانتظار إلى أن تأتي قوات لإخلاء الشوارع، ولم يوافق الحاكم برتيوريك فالوحدات لم تكن بالملابس الرسمية فقد يكون في ذلك عدم احترام للأرشدوق، لأن الحشد لا يشكل أي خطورة. أصر فيرديناند على معاودة المرور في مستشفى المدينة لزيارة المصابين فتقرر إجراء تعديلات على الوجهة المحددة رسميًا لتفادي الشوارع الضيقة في داخل المدينة ليتجه الوفد عبر شارع أبيل مباشرة، تقدم فيرديناند بطلب واحد وهو أن تعاد زوجته إلى فندق بوسنيا ولكن صوفيا رفضت ذلك. في الحادية عشرة إلا ربع عادت السيارة عبر شارع أبيل إلى شارع جوزيف، لم يتول أحد إبلاغ السائق عن تغيير وجهة السير كادت سيارة فيرديناند وصوفيا تتابع السير ،إلا أن الجنرال بوتيوريك صرخ على 
السائق ليكمل الطريق عبر شارع أبيل. تمكن برينسيب من نيل فرصته، فأصابت رمايته الهدف، آخر كلمات قالها فيرديناند لزوجته كانت: "صوفيا انتبهي لنفسك من أجل الأطفال". تمكنت الشرطة من القبض على برينسيب أصيب الأرشدوق في عنقه ومات ولي عهد النمسا بعد عشر دقائق من موت زوجته، وهكذا انتهى الزواج الذي سبب الثرثرة في البلاط الملكي بمأساة حزينة. ولم يظهر فرانس جوزيف حين علم بموت قريبه فيرديناند ردة فعل تذكر على مقتل قريبه، حملت الرفات الملكية في نعشين إلى فيينا لم تقم مراسم دفن رسمية ولم تجر أي تحقيقات بغياب الحماية اللازمة لولي العهد فيرديناند، حتى أنه كافأ الحاكم العام بوتيوريك بأسمى التعابير بعد أيام فقط من عملية الاغتيال، وجد في المأساة عذرًا كافيًا لضم صربيا كما ضم البوسنة والهرسك عام 1908.
وبينما كان الوضع العام في أوروبا ملتهبًا للغاية وجه فرانس جوزيف لصربيا بالاستسلام وهو يعرف أنها لن ترضخ، اعترض القيصر الروسي نيكولا الثاني مباشرة على الاجتياح فكونه سلافيًا أرثوذكسيًا لن يقبل بإهانة من النمسا المجرية لصربيا، في ذلك اليوم بدأت روسيا تحشد قواتها ضد النمسا والمجر، طالب قيصر ألمانيا وليم بوقف التحركات العسكرية الروسية مدافعًا عن مساعي النمسا المجرية، وحين رفض القيصر طلبه خرج بوحداته العسكرية وأعلن الحرب على روسيا. بعد نشوب الحرب بين روسيا وألمانيا والنمسا والمجر أطلت الحرب برأسها من جميع المناطق، ألمانيا أعلنت حربها على فرنسا حليفة روسيا يوم الثالث من آب-أغسطس من ذلك العام، في اليوم التالي توجهت ألمانيا نحو بلجيكا التي كانت على الحياد، تعهد بريطانيا لحماية بلجيكا جعلها تنضم إلى النزاع في منتصف ليلة الرابع من آب-أغسطس حيث أصبحت الحرب أمرًا واقعًا لا رجعة عنه.
موت فيردناند وصوفيا في مدينة بعيدة وسط أوروبا أطلق شرارة أحداث متتالية أشعلت الحرب، كانا أول من مات بين اثني عشر مليون ضحية قتلوا خلال الحرب العالمية الأولى. في الأشهر التي تلت عملية الاغتيال قتل في صربيا الآلاف لم يعيشوا لرؤية البوسنة وكرواتيا تتوحدان في دولة يوغسلافيا الجديدة. في تشرين أول-أكتوبر من عام 1914 قبض على ستة من أعضاء منظمة الأيادي السوداء المجرمين وحوكموا في سراييفو، رغم العواقب الوخيمة التي عادت عليهم وعلى أوروبا بأجمعها لم يعرب أيا منهم على الندم كانوا يعتبرون أن التضحيات واجب مقدس. قلة منهم بقوا على قيد الحياة بينما مات الآخرون على أعمدة المشانق أو في السجون، مات برنسيب في زنزانته عام 1918 بعد عامين من ذلك أعيدت رفاته إلى سراييفو فاعتبر بطلاً قوميًا، أمام محل شيلر حيث أطلق نيرانه القاتلة كتب بالأحرف الذهبية ما يلي: في هذه الموقعة التاريخية بدأ برنسيب مسيرة الحرية في الثامن والعشرين من حزيران-يوليو من عام 1914.

هناك 3 تعليقات: