***

بحث هذه المدونة الإلكترونية

جارٍ التحميل...
***

الاثنين، 14 يوليو، 2014

قصة قطر الندى

فتحت بغداد عينيها سنة 282هـ على أنباء زفاف يمامة جميلة هى الأميرة المصرية الفاتنة "قطر الندى" إلى صقر عجوز هو الخليفة المعتضد بالله العباسي .كان مقرراً أن تتزوج الأميرة الجميلة الصغيرة من الأمير علي المكتفي ابن الخليفة المعتضد وهو ولي العهد ، ولكن الخليفة العجوز الداهية أراد أن يفسد خطة خصمه العنيد "خمارويه" حاكم مصر والد "قطر الندى" فطلب أن يتزوج هو نفسه الأميرة الصغيرة حتى لا يكون لخمارويه تأثير على مستقبل الخلافة العباسية من خلال صلته بولي &e; العهد المكتفي بن المعتضد وأبنائه من الأميرة المصرية. زواج سياسي بكل ما تحويه دهاليز السياسة من مكر وخداع ، وكانت الضحية هي الأميرة الفاتنة الجميلة التي ضحى بها أبوها "خمارويه" على مذبح أطماعه وشهواته، وكان الثمن الذي أرضى به ابنته الساذجة هو جهاز فخم اسطورى دخل موسوعة التاريخ القياسية .. إذ لم يسمع به أحد من قبل . ومن الطريف أن الأميرة المسكينة برزت بين سطور التاريخ أثناء رحلتها من القطائع والفسطاط المصرية إلى أن وصلت إلى بغداد ومعها جهازها الأسطوري ، وبعدها دخلت في أطوار النسيان في قصور الخلافة العباسية فلم يسمع عنها أحد .. إلى أن ماتت مقهورة في عمر العصافير . ولذلك قصة أسطورية تقول سطورها : كان أحمد بن طولون قد استقل بمصر استقلالاً ذاتياً على حساب الخليفة العباسي ودارت حروب طويلة بينه وبين العباسيين ، ومات والصراع على أشده في الشام بين مصر والخليفة العباسي. وتولى "خمارويه" الذي يهوى الترف والمجون والتمتع بالثروة الهائلة التي تركها له أبوه أحمد بن طولون ، ولكن التمتع بتلك الثروة يستلزم وقتاً من السلم وراحة البال وذلك ما لا يمكن توفيره بسبب الصراع العسكري مع الخلافة العباسية ، لذلك أراد خمارويه شراء السلام مع الخليفة العباسي المعتضد بالله المشهور بدهائه وقسوته وأحقاده ، فأرسل له خمارويه التحف والهدايا وسأله أن يزوج ابنته قطر الندى من المكتفي ولي عهد الخليفة في إطار معاهدة للسلام ، ورفض الخليفة أن يتزوج ابنه من قطر الندى وقال : إنما أراد أن يتشرف بنا وأنا أزيد في تشريفه وأتزوجها ، وبذلك حرم خمارويه من آماله في التحكم في ولي العهد وفي بناء نفوذه المستقبلي في الدولة العباسية. ولأنه زواج سياسي أو صفقة سياسية فقد دارت مفاوضات شاقة بشأنها تولى إدارتها بين الطرفين ابن الجصاص الجوهري.وفي سنة 280هـ جاء ابن الجصاص الجوهري بالهدايا للخليفة المعتضد ، وعاد إلى خمارويه بقرار من الخليفة بأن تكون ولاية مصر في خمارويه وولده لمدة ثلاثين سنة ، وجعل له في مصر كل السلطات مقابل أن يؤدي جزية للخليفة مائتي ألف دينار سنوياً عما مضى من سنوات الانفصال والثورة على الخلافة ، ثم يؤدي ثلاثمائة ألف دينار عن كل سنة في المستقبل. واستمرت مفاوضات ابن الجصاص وسارت في اتجاه جديد هو عقد المصاهرة وتزويج قطر الندى من الخليفة العباسي.  وحزنت الأميرة الصغيرة حين عرفت أن الخليفة العجوز رفض تزويجها من ابنه الشاب وأراد تزويجها لنفسه ، وأراد خمارويه أن يسترضي ابنته فعزم على أن يكون زفافها وجهازها من أساطير التاريخ.. والخليفة العباسي من ناحيته كان يلح على أن يكون جهاز العروس الصغيرة بالغ الثراء والترف .. مع أن الخليفة لم يدفع صداقاً إلا مبلغاً نقدياً قدره ألف ألف درهم. يقول المسعودي إن ابن الجصاص حمل مع جهاز قطر الندى إلى العراق جواهر لم يجتمع مثلها عند خليفة قط . ومن مصر يقول المقريزي إن خمارويه أخذ في تجهيز ابنته، فجهزها جهازاً ضاهى به نعم الخلافة ، فلم يبق طرفة من كل لون وجنس إلا حمله معها ، فكان من جملة الجهاز دكة تتكون من أربع قطع من الذهب عليها قبة من ذهب مشبك في كل عين من التشبيك قرط معلق فيه حبة جوهر لا يعرف له قيمة ،ومن جملة الجهاز مائة هون من الذهب ، وألف تكة ثمنها عشرة آلاف دينار و"التكة بنطلون حريمي داخلي" . والمقريزي يقول إن ابن الجصاص بعد أن فرغ من إكمال الجهاز ذهب إلى خمارويه يقدم الكسر الذي بقي معه وهو أربعمائة ألف دينار.. فأعطاها له خمارويه . ويقول ابن الجوزي ـ في العراق ـ أن خمارويه أعطى ابن الجصاص مائة ألف دينار أخرى بعد أن اشترى ذلك الجهاز الخرافي من مصر ، وقال له : لعل بالعراق ما نحتاج إليه ولا يكون موجوداً معك بالجهاز .. فلم يجد ابن الجصاص شيئاً يشتريه ،فأخذ لنفسه الأموال . أما ابن كثير فيذكر في تاريخه أن خمارويه أعطى ألف ألف دينار لابن الجصاص ليشتري من تحف العراق ما ليس موجوداً في الجهاز .. واحتفظ ابن الجصاص بالمال لنفسه.

الرحـــــــــلة :
وكانت رحلة قطر الندى إلى زوجها أطول رحلة زفاف ، ولا نعني مجرد طول المسافة ، ولكن نقصد أن أباها خمارويه قد جعل تلك المسافة بين مصر وبغداد طريقاً مجهزاً للزفاف ، وذلك ما لم يحدث من قبل ولا من بعد ، حتى اليوم. لقد أمر خمارويه ببناء قصر في كل محطة تنزل فيها العروس ، وذلك على طول الطريق بين الفسطاط فى مصر وبغداد بالعراق .. وخرج معها عمها شيبان بن أحمد بن طولون وجماعة من الأعيان بالإضافة إلى ابن الجصاص الجوهري. ويقول المؤرخون أنهم كانوا يسيرون بها سير الطفل في المهد ، فإذا وصلت إلى المحطة نزلت فوجدت قصراً فاخراً مجهزاً بكل أنواع المفروشات والستائر وبكل أنواع التسهيلات والمؤن للإقامة والراحة ، وبعد الاستجمام يواصلون السير إلى محطة أخرى حيث يستقبلهم قصر أخر.. ويقول المقريزي "فكانت في مسيرها من مصر إلى بغداد كأنها في قصر أبيها تتنقل من مجل إلى مجلس حتى قدمت بغداد في أول المحرم282هـ ، وكان عقد الزواج في رمضان سنة 281هـ وحين بدأت رحلة العروس إلى العراق كان العريس العتيد يحارب حمدان الثائر في قلعة ماردين ، وبعد أن انتصر عليه ونهب القلعة وهدمها عرف أن العروس الصغيرة  قد دخلت العراق ، ومع أنه فرغ من قلعة ماردين إلا أنه واصل تحركاته نحو الموصل في نفس الوقت التي دخلت فيه قطر الندى بغداد ، وكان أعوان الخليفة في انتظارها،بينما ظل هو غائباً في الموصل كأنما يريد إظهار عدم اهتمامه بها ثم أنزلوها في " قصر صاعد" وظلت فيه إلى أن تم زفافها إلى المعتضد في الرابع من شهر ربيع الأول .. وكان يوم أحد.
في البلاط العباسي وفي يوم الزفاف نودى في بغداد بألا يعبر أحد نهر دجلة وأن تغلق أبواب الدروب والطرقات التي تفتح على شاطيء دجلة ، ومنعوا الناس من سكان الشاطئ من الظهور .. فلما آن وقت العشاء جاءت سفينة من دار المعتضد فيها الخدم ومعهم الشموع ورست السفينة مقابل "دار صاعد" حيث تقيم قطر الندى ، وكانوا قد أعدوا أربع سفن صغيرة تحمل النفط لتضىء الشموع ، وقد شدوها بحبال إلى دار صاعد التي تقع على دجلة .. وانتقلت قطر الندى من دار صاعد إلى السفينة ، ثم منها إلى دار المعتضد فأقامت فيه يوم الإثنين في جناح خاص بها ، ثم دخل بها يوم الثلاثاء الخامس من ربيع الأول سنة 282هـ. وانتهت قصة زفاف اليمامة البريئة إلى الصقر العجوز الشرس.  وأبطال هذه القصة ثلاثة من محترفي السياسة : أولهم الخليفة المعتضد الذي اشتهر بسفك الدماء والإقدام على قتل أقرب الناس إليه بسبب ودون سبب ، حتى أنه كان إذا غضب على قائد من قواده أمر بدفنه حياً . ويحكى المسعودي أنه لما مات شكـُّوا في موته وخافوا أن يدخلوا عليه فاقترب منه الطبيب وجس نبضه ففتح المعتضد عينيه ورفس الطبيب برجله فتدحرج الطبيب ومات من الرعب والهلع ومات بعده المعتضد  بعدة دقائق .. وكان ذلك يوم الإثنين 22 ربيع الآخر سنة هــ289. وذلك يعطينا فكرة عن ذلك الصقر الذي تزوجته اليمامة الوديعة قطر الندى. ولا شك أن العروس الصغيرة قد عانت الكثير من ذلك الزواج غير المناسب وسط ألاعيب ومؤامرات سيدات القصر وأخطرهن "شغب" أم الخليفة المقتدر ابن الخليفة المعتضد . ولم تحتمل اليمامة الصغيرة هذه الحياة فماتت في عمر الزهور في 7 رجب سنة 287هـ ، ومات الخليفة بعدها بعامين. وبقي لها في سطور التاريخ صفحات تقال فيها : " أنها من شهيرات النساء عقلاً وجمالاً وأدباً" ، ولكن تلك الصفحات ما أغنت عنها شيئاً حين أقدم أبوها على التفريط فيها ليسترضي الخليفة الشرس وهو يعلم حقيقته ، وذلك حتى يتفرغ أبوها للمجون . وقد مات أبوها بسبب مجونه. ووصل الخبر إلى قطر الندى في شهر ذي الحجة في نفس العام الذي تزوجت فيه.. فهل كان ذلك انتقاماً من السماء.؟ ولحق الانتقام بالرجل الثالث سمسار الزواج السياسي الحسين بن عبد الله المشهور بابن الجصاص الجوهري ، وكان قد سرق الكثير من أموال الجهاز نقداً وعيناً ، وحين دخل بمجموعات الجواهر إلى بغداد أقنع الأميرة الصغيرة بأن يحتفظ لديه ببعض الجواهر للزمن .. إلى أن تحتاج إليه ، ووافقت .. وماتت سريعاً واحتفظ ابن الجصاص بالسابق واللاحق من الجواهر والأموال. وصار أثرى أثرياء عصره إلى أن أمرت السيدة "شغب" أم المقتدر بمصادرة أمواله في خلافة ابنها سنة 302هـ ، ويذكر المسعودي أنهم صادروا له أموالاً نقدية وعينية تبلغ خمس آلاف ألف وخمسمائة ألف دينار .. بينما يذكر ابن الجوزي أن المبلغ المـُصادر يبلغ ستة عشر مليوناً من الدنانير .. وتبقى من سيرة قطر الندى الموال الشعبي الذي يقول الحنة .. الحنة .. يا قطر الندى يا شباك حبيبي يا عيني جلاب الهوى.. 

د.أحمد صبحى منصور

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق