***
***

الثلاثاء، 19 يوليو، 2016

من هو أشعب؟

 أشعب فهو شخصية حقيقية عاشت في المدينة المنورة، وعمَّر صاحبها طويلاً، إذ أدرك خلافة عثمان وظل يتنفس إلى عصر المنصور العباسي أو ابنه المهدي على خلاف في الروايات..

أشعب في المدينة
وقضى أشعب ذلك العمرالمديد في المدينة في عصرها الأموي الذي تزعمت فيه المعارضة السياسية للأمويين، ذلك الموقف الذي حدا بالأمويين إلى إغراق صنائعهم فيها بالأموال بينما زهد أغلبية المعارضين في متاع الدنيا وصاروا أئمة في العلم بين التابعين.. وبين هؤلاء وأولئك عاش أشعب محتاراً، كان ثوب العلم يتسع لأشعب وأمثاله من الموالي ويتيح لهم الفرصة والنبوغ واثبات الذات في المجتمع الإسلامي، ولكن لم يكن لأشعب صبر على مجالسة العلماء ولم يكن لديه المال ما يعينه على الرحلة إلى الكوفة والبصرة ومكة والفسطاط ولم يكن لديه أيضاً الرغبة إلا في التمتع بطيبات الحياة شأن المترفين الأغنياء، وبسبب فقره المدقع ونسبه المجهول وكونه من الموالي فإنه لم يكن له إلا أن يتسول من هنا وهناك راضياً لنفسه بهذه المنزلة، وكل ما هناك أنه يستر موقعه بالنوادر التي تنطق عن ظرف ونباهة أضاعها صاحبها في التافه من أمور الدنيا. ومن الغريب أن المؤرخين والرواة عنوا أشد العناية بتسجيل نوادر أشعب وطرائفه ولم يختلفوا بشأنها لأنه شخصية حقيقية عاشت في عصر الرواية والتدوين، وذلك بخلاف جحا الذي يضيف له كل عصر ما يتيسر له من نوادر وأقاصيص مستوحاة من ذلك العصر ومن كل مكان . ونعود إلى أشعب ونقرر بكثير من الدهشة أنه مع عناية المؤرخين والرواة بجمع نوادر أشعب وعدم الاختلاف بشأنها إلا أنهم اختلفوا في أشعب نفسه؛  في أصله وفصله ونسبه ونشأته، مع إنه عاش في عصر وفي بيئة تحتفل بالنسب العربي وبالولاء لغير العربي. فهناك اختلاف في اسمه فيقال له أشعب الطامع ويقال له شعيب ـ ويقال أنه أشعب بن جبير ـ ويقال أنه أشعب بن حميدة المدني ـ ويقال انه مولى لعثمان ، ويقال بل هو مولى لسعيد بن العاص، ويقال مولى لعبد الله بن الزبير ، ويقال مولى لفاطمة بنت الحسين ـ ، ويقال أن أمه هي أم حميدة وأم حميدة بفتح الحاء وضمها، ويقال أن أمه جعده مولاة أسماء بنت أبي بكر. ويقال أنه خال المؤرخ الواقدى، ويقال أيضاً انه خال الأصمعي، على ما بين الواقدي والأصمعي من تباعد.  ويقال أن فاطمة بنت الحسين هي التي كفلته و قامت بتنشئته، ويقال أيضاً أن بنت عثمان بن عفان هي التي كفلته وقامت بتنشئته..
 والواضح م هذه الاختلافات أن أشعب شغل الناس بنوادره عن البحث في أصله ونشأته، ولم يهتم هو بأكثر من أن يكون سميراً ومنادماً لأولي الجاه والمأكل الطيب كي يشبع نهمه للطعام  في مقابل نوادر يتفوه بها يضحك لها السادة، ورضي هو بهذه الحياة ورضيت به تلك الحياة..

أشعب مطرب في أرذل العمر
ويذكر الخطيب البغدادي ـ ويذكر قبله ابن جرير الطبري ـ أن أشعب قد زار بغداد في خلافة أبي جعفر المنصور فطاف به فتيان نبني هاشم يغني لهم ـ وكان أشعب وقتها في أرذل العمر، ومع ذلك وجدوا الطرب في ألحانه، وادعى أنه أخذ الغناء عن معبد وان معبد أوصى بأن يؤخذ عن أشعب اللحن وادعى أن معبداً اعترف بأنه أي أشعب أحسن تأدية للحن منه!! .. ولأن معبد قد مات فإن العهدة التي على الراوي ـ أي أشعب ، والواضح أن تلك الموهبة التي طرأت على أشعب فجأة في بغداد في زيارة لها إنما هي طريقة جديدة وذكية من أشعب يتذوق فيها أموال مترفي بغداد وطعامهم، وأولئك لم يكونوا يحفلون بمقدرة أشعب على الغناء والتلحين في أرذل العمر قدر ما يعنيهم أن يروا ذلك الرجل الذي شغل آباءهم بنوادره عشرات السنين..

التسول في قصة حياة أشعب
بدأ أشعب حياته بمجالسة العلماء ورواية الحديث عنهم إلا أنه سرعان ما تنكب الطريق إلى التسول الذي احترفه إلى نهاية العمر. وكان يختار أشراف المدينة ليتسول منهم، وبدلاً من أن يأخذ العلم مثلاً ويروي الحديث عن سالم بن عبد الله بن عمر كان يتسلق جدار بيته ليتسول منه مالاً فيقول  سالم : ويلك يا أشعب لا تسل .. وبدلاً من أن يأخذ العلم عن القاسم بين محمد بي أبي بكر فإنه كان أيضاً يدخل على بستانه بدون إذن ويطرده القاسم لأنه يكرهه فيقول له أشعب أسألك بوجه الله لما أعطيتني عزقاً من الفاكهة فيعطيه ، ومفهوم أن القاسم كان يكره اتجاهه للتسول وتركه للعلم ومنذ صغره كان أشعب يعرف كيف يصطاد الصدقة من أشراف المدينة،وهناك رواية تقول أنه رأى علَى عبد الله بن عمر كساءاً جيداً فقال له سألتك بوجه الله إلا أعطيتني هذا الكساء، فما كان من ابن عمر إلا أن رمى له الكساء، ويعترف أشعب أن ابن عمر كان يبغضه. والواضح أن أشعب كان يتسول المال والطعام والكساء، وكان يحصل على ما يريد بسهولة ولا يعدم وسيلة من أفانين القول في حمل الآخرين على إعطائه ما يريد، وقد كان الضحاك بن مخلد سائراً إلى منزله بالمدينة فسار أشعب خلفه فضاق صدر الضحاك بسير أشعب خلفه فالتفت إليه يسأله : مالك يا أشعب؟ فقال : يا أبا عاصم رأيت قلنسوتك قد مالت فتبعتك وقلت لنفسي لعلها تسقط فآخذها لي، فأخذ الضحاك قلنسوته ودفعها إلى أشعب وقال انصرف.. وانشغل أشعب بالتسول كلية عن طلب العلم حتى مات الشيوخ الذين كان يجلس إليهم وجاء جيل جديد عرف أن أشعب كان يجالس في شبابه أولئك الشيوخ فسألوا أشعب قائلين : طلبت العلم وجالست العلماء ثم تركت ذلك وأفضيت إلى المسألة(التسول) فلو جلست لنا وجلسنا إليك فسمعنا منك، فجلس لهم وحدثهم فقال : سمعت عكرمة يقول سمعت ابن عباس يقول سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : " خلتان لا يجتمعان في مؤمن" ثم سكت ، فقالوا له ما الخلتان ؟ فقال : نسي عكرمة واحدة ونسيت الأخرى.. فتركوا الجلوس إليه وتفرغ بعدها لطريقه في التسول .. ورحل الشيوخ الذين كرهوا انصراف أشعب عن العلم إلى التسول والمجون، وجاء جيل جديد عرفه بهذه الصفة واستراح إلى  ظرف أشعب ونوادره ، وبذلك دخل أشعب إلى مرحلة جديدة في التسول كان فيها يشترط على الأعيان شروطه الخاصة حتى يحضر موائدهم ويدخل بيوتهم، ويذكر الخطيب البغدادي أن إنساناً دعا أشعب إلى زيارته في بيته فقال له أشعب : لا والله ما أجيئك أنا أعرف الناس بكثرة جموعك. فتعهد الرجل بألا يدعو أحداً في البيت سواه، فأجابه أشعب ، وعندما وضعت المائدة طلع عليهم صبي فصاح أشعب بصاحب الدار يسأله عن ذلك الصبي الذي ظهر فجأة ولماذا خالف الشرط، فقال له الرجل هذا ابني وفيه عشر خصال، فقال أشعب ما هي؟ قال الرجل : الأولى أنه لا يأكل مع ضيف قط، فأسرع أشعب يقول حسبي هذه والتسع الباقيات لك..

أشعب في موائد الطعام
 وحضور أشعب في موائد الطعام كان أحد مظاهر التسول في حياته، إذ كان يفرض نفسه على الدعوات ، وكانت سمعته بالفقر والتسول تفرض على الآخرين دعوته للموائد خصوصاً بما اشتهر عنه من نوادر وظـُرف .ويحكي أشعب أنه دخل على سالم بن عبد الله بن عمر فقال له : يا أشعب حمل إلينا جفنة هريسة وأنا صائم فاقعد فكل . فاجتهد أشعب في أن يأكل الجفنة كلها ، فقال له سالم : لا تحمل نفسك فوق طاقتها واحمل ما تبقى منك إلى بيتك . فلما رجع إلى بيته قالت له امرأته : يا مشئوم بعث إليك عبد الله بن عمرو بن عثمان يطلبك ، فقال لها : وماذا قلت له ؟ قالت : قلت له أنك مريض ، فقال أشعب أحسنت، وصبغ نفسه بالصفرة وعصب رأسه واتكأ على عصا وادعى أنه مريض ، وذهب إلى حفيد عثمان بن عفان يدعى أنه مريض منذ شهرين وما رفع جنبه من الأرض ، ولم يعرف أشعب أن سالم بن عبد الله في البيت مع عبد الله بن عمر بن عثمان، فغضب سالم بسبب كذب أشعب ، وسأل عبد الله بن عمرو عن السبب فاعترف له أشعب فضحك مع جلسائه وأكرم أشعب وأعطاه. وكان زياد ألحارثي رئيساً لشرطة المدينة وكان مع بخله يضطر لدعوة الناس في رمضان للإفطار عنده،فدخل أشعب ضمن المدعوين، وكان على المائدة طبق هام اسمه مصلية فأمعن أشعب من الأكل فيه وزياد ينظر إليه مغتاظاً لا يستطيع الكلام والاعتراض، فلما فرغوا من الطعام لم يستطع زياد منع نفسه من أن يقول لأشعب : ما أظن أن لأهل السجن إماماً يصلي بهم في رمضان فليصلِّ بهم أشعب، فأسرع أشعب يقول له : هناك شيء أفضل من ذلك، ألا أذوق عندك مصلية أبداً .. فخجل زياد وتغافل عنه.  وروى سليمان الشاذ كوني  أنه كان له ابن في المكتب يتعلم القرآن عند المعلم وأشعب جالس فقرأ الصبي قوله تعالى" إن أبي يدعوك" فانتفض أشعب واقفاً ولبس نعليه وقال للغلام : امش معي إلى أبيك ، فقال الصبي له : إنما أقرأ في المصحف، فقال له أشعب مغتاظا : قد علمت أنك لا تفلح أنت وأبوك.  وكان أشعب ضيفاً مستمراً على طعام سالم بن عبد الله بن عمر لا يكاد يفارقه، فأراد سالم يوماً أن يأكل مع بناته فخرج إلى بستان له ليأكل معهن، وذهب أشعب إلى داره فعرف بالقصة، فذهب إلى البستان وصعد على سوره فلما أشرف على البستان ورآه سالم أسرع يغطي بناته بثوبه ويقول بناتي .. فناداه أشعب من فوق السور : لقد علمت ما لنا في بناتك من حق وإنك لتعلم ما نريد.

الطمع فنون عند أشعب
 وتقبل الناس شهرة أشعب بالطمع وخلطوا ذلك بإعجابهم بنوادره وظرفه فكانوا يقصدونه يسألونه أخباره ونوادره في الطمع وآخر ما قال .. ويتناقلون رواياته ويتسامرون بها. ومنها روايات مشهورة ، مثلما روى أن الصبيان أرهقوه باللعب والأذى فأراد أن يصرفهم عنه فقال لهم : ويحكم أن سالم بن عبد الله يقسم تمراً، فصدقه الصبيان وجروا إلى بيت سالم، فما لبث أشعب أن جرى خلفهم قائلاً : وما يدريني والله لعله حق. ومن الروايات المشهورة أنه مر على صانع يصنع قفة ، فقال أوسعها لعل إنساناً يهدي إلى فيها شيئاً . وكانوا يسألونه دائماً ما بلغ من طمعك ؟ وكان يجيبهم في كل وقت بإجابة مختلفة وجديدة تدل على ذكاء واستخلاص للمعاني. قالوا له : ما بلغ منك من الطمع : فقال ما زُفـَّت امرأة بالمدينة إلا قلت لنفسي يجيئون بها لي قبلاً، وقال : ما زُفـَّت امرأة بالمدينة إلا كنست بيتي رجاء أن تهدى إلى، وقال في إجابة أخرى : ما خرجت في جنازة قط فرأيت اثنين يتكلمان إلا ظننت أن الميت قد أوصى لي بشيء . وقال أيضاً : ما رأيت اثنين يتحدثان إلا ظننتهما يريدان إعطائي شيئاً  .. وقال له رجل : ما بلغ من طمعك فقال : ما سألتني عن هذا إلا وقد خبأت لي شيئاً تعطيني إياه. وقال في إجابة أخرى : أرى دخان جاري فأسرع بفت الثريد.  وسئل : أرأيت أطمع منك؟ فقال نعم، كلب أم حومل يتبعني فرسخين وأنا أمضغ ، وقد حسدته على ذلك.. والواضح أنه كان يقصد إسعاد سامعيه وانتزاع الابتسامة منهم . وكان ذلك يجعله يتجه بنوادره إلى معاني أخرى بعيدة عن شهرته بالطمع، فقد قال رجل : كان أبوك عظيم اللحية فمن أشبهت أنت؟ فقال له : أشبهت أمي . وحكى نفسه أنه تبع امرأة فقالت له : ما تصنع بي ولي زوج؟ فقال : تسرِّي بي .. أي تجعله جارية لها .. وجلس يوماً إلى رجل من أحفاد عقبة بن أبي معيط وقال لأحد الهاشميين يعلل سبب جلوسه : أصطلي بناره..  وكانت الحكمة تخرج أحياناً على لسانه، فقد قيل له أن صلاتك خفيفة فقال : إنها صلاة لم يخالطها رياء، وقال له رجل : ضاع معروفي عندك فقال له : لأنه جاء من غير محتسب ثم وقع عند غير شاكر.

أشعب الإنسان
ومعنى ذلك أن أشعب كان يضم جوانحه على عقل واعٍ إلا أنه رضي لنفسه بالدنية ، وكان أحياناً يفيق لنفسه ويتذكر مجالسة الأولى مع كبار التابعين فيسير في طريق التوبة ويتعبد ويتنسك ويقرأ القرآن وكان حسن الصوت في قراءة القرآن، إلا أن سفهاء المجتمع ما يلبثون أن يجذبوه إلى ما سارت عليه حياته لأنه أصبح جزءاً من تسلية حياتهم الفارغة . ويروى ألمدائني أن أشعب تعلق بأستار الكعبة يقول .. إليهم اذهب الحرص عني ... ثم ما لبث أن رجع إلى حالته الأولى بعد أن مرَّ على أعيان قريش وغيرهم وأحس بالحاجة إلى عطائهم وطمع فيه.

بقلم : أحمد صبحى منصور

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق