***

بحث هذه المدونة الإلكترونية

جارٍ التحميل...
***

الجمعة، 16 مايو، 2014

قصة الخليفة الفاطمي الآمر والبدرية العالية

تولى الآمر الخلافة وهو طفل في الخامسة من عمره ، وذلك يوم الثلاثاء السابع عشر من صفر سنة 495 هجرية " 1001 ميلادية" وسيطر على الدولة الوزير الأفضل إلى أن اغتال الشيعة الباطنية الحشاشون ذلك الوزير في آخر يوم من رمضان سنة " 515 " وبعدها أصبح الخليفة الصغير الآمر يمارس سلطاته باعتباره الحاكم والخليفة والإمام ، وظل هكذا إلى أن اغتاله الشيعة الباطنية الحشاشون أيضا وهو في طريقه للقاء معشوقته البدوية وذلك يوم الثلاثاء الرابع من ذي القعدة سنة " 524 هجرية " ولم يبلغ وقتها الخامسة والثلاثين من عمره. 
وقد تخصص الشيعة الباطنية الحشاشون في الاغتيالات السياسية. وهم من أتباع الحسن الصباح الداعية والمنظّر والمفكر الشيعى الذي انشق على الخلافة الفاطمية بعد أن تولى المستعلي الخلافة الفاطمية   بدلا من أخيه نزار ، والمستعلي هو والد الخليفة الآمر بطل قصتنا .
وهرب الحسن الصباح إلى قلعة آلموت في قزوين في فارس ، دخلها متنكرا ، وبدأ واعظا زاهدا ، وسرعان ما اجتذب اليه جنود القلعة فاستولى عليها بمعونتهم ، وجعلها مقرا لتدريب الفدائيين على أعمال الاغتيال والإرهاب ، وكان من ضحاياه كثيرون من الخلفاء العباسيين والفاطميين والسلاطين والأمراء المسلمين والصليبيين ، وغيرهم .. ومن اسم الحشاشين جاءت الكلمة الانجليزية (Assassin)، أى قاتل محترف .  وامتاز أولئك الفدائيون بالشجاعة المطلقة والطاعة العمياء ، وتنفيذ أوامر شيخهم الصباح مهما كانت الصعوبات .. ولذلك أثاروا الرعب في كل مكان ، ولكن بطل قصتنا الخليفة الآمر انشغل عنهم وأهمل الاحتياط حبا في لقاء البدوية فدفع حياته ثمنا لذلك الغرام العجيب .
  وكان ذلك الخليفة العاشق محبا للتنزه والاحتفالات مثل أسلافه . وفى سنة 420 أمر بتجديد قصر القرافة التي بنته جدته تغريد وأقام تحت ذلك القصر مصطبة لشيوخ الصوفية ، وكان مغرما بمشاهدة شيوخ الصوفية وهم يرقصون أمامه ، وقد شجع التصوف الشيعى وجعله رافدا للتشيع . ولقد بلغ من غرام هذا الخليفة بالبدويات أنه كان يرسل جواسيس وعيونا يتجولون في خيام القبائل العربية للعثور على أجمل بدوية ، ثم يحصل عليها بأي طريق.  ثم حدث أن جاءه الجواسيس يخبرونه بالعثور على فتاة بدوية في الصعيد يقال لها ( البدرية العالية) وأنها أديبة أريبة تقول الشعر ، فأرسل لإحضارها إليه فعجز رسله عنها ، وجاءوا يخبرونه بالمزيد من شعرها وحبها لابن عمها المشهور بابن مياح.  وشأن كل ممنوع مرغوب فقد تعلق بها الآمر وعزم على أن يراها بنفسه ويتعرف إليها كإنسان وشاب ، وليس كخليفة يأمر فيطاع ، ولذلك فقد سافر إليها من قصره بالقاهرة ، وأهمل من أجل هواه ذلك التهديد المستمر على حياته من أعدائه الباطنية الحشاشين ، واكتفى بارتداء زى البدو وتجول في مضارب البدو إلى أن وصل إلى قبيلة البدوية العالية.  وضاعت منه أمواله في الطريق فاضطر للاعتماد على نفسه واحتمال الضائقة التي حلت به ، وظل يحتال إلى أن وصل إليها ورآها وحدثها فلم تلق إليه بالا ، فأسرع يعود إلى ملكه وقصره وأرسل إلى أهلها يخطبها ففرح أهلها وأرغموها على قبول الزواج .  وزفت إليه ، فلم ير فيها الانشراح والسعادة اللذين كانا عليها وهى في أرض قومها ، وأظهرت له كراهيتها للقصر بدلا من أن تظهر كراهيتها له ، وهو يقنع نفسه بأنها لا تكره إلا حياة القصور وتفضل عليها حياة الخيام والصحراء ، وكلما ازدادت عنه إعراضا وصدودا ازداد لها محبة وازداد بها هياما .
فعل كل ما يستطيع لإرضائها ، فكان يصحبها إلى قصر القرافة لتشاركه بهجته برقص شيوخ التصوف أمامه ، ومع ذلك فان نظرتها الحزينة الساهمة كانت تنغص عليه حياته ففكر في عمل يرضيها ويسعدها، فقد ظن أن وجودها في القصور مع جواريه وزوجاته يضايقها فأقام لها في الجزيرة " الزمالك الآن " قصرا ضخما جعله على هيئة الهودج الذي تركبه نساء الأعراب وتفنن في زخرفته وتزيينه ، وجعلها تنتقل إلى ذلك القصر فتستمتع به وبجمال النيل والجزيرة .  وانتظر منها كلمة شكر أو لفتة اهتمام ، ولكنه فوجىء بها تبعث من قصرها الجديد برسالة حب إلى حبيبها وابن عمها ابن مياح تشكو إليه حالها ، وتقول له شعرا :
يا ابن مياح إليك المشتكي  مالك من بعدكم قد ملكا
كنت في حبي مطاعا آمرا  نائلا ما شئت منك مدركا
فأنا الآن بقصر مرصد    لا أرى إلا خبيثا ممسكا .
وكتب إليها حبيبها الأعرابي يرد عليها شعرا :
بنت عمى والتي غذيتها بالهوى حتى علا واحتبكا
بحت بالشكوى وعندي ضعفهالو غدا ينفع منا المشتكي
مالك الأمر إليه المشتكي مالك وهو الذي قد ملكا .

وعلم الخليفة الولهان بأمر زوجته وأنها لا تزال على عشقها لحبيبها القديم ، وأسقط في يد الآمر فلم يستطع إلا أن يتمسك بزوجته أكثر فأكثر. وخرجت القصة من بين جدران القصور إلى ساحات السمر ، وأحس العشيق المسكين ابن مياح بالعيون تترصده وخشي على حياته فأختفي وهرب ، وتكاثرت الأقاصيص الشعبية تجعل منه بطلا ، ودارت حول العاشق والمعشوقة والزوج الظالم حكايات ومناقشات كانت تميل الى تأييد الطرف المظلوم وهما العشيقان الاعرابيان.  وأثناء انشغال الخليفة العاشق بمشاكله مع محبوبته البدوية وحبيبها الهارب والمتعصبين لهما كان الشيعة الباطنية يجهزون مؤامرة لاغتياله .  وكانت الدولة الفاطمية في خلافته قد وضعت الجواسيس والعيون في فارس والعراق وكل محطات الطريق تحصى على أعوان الباطنية أنفاسهم ، وجاءت رسالة من جاسوس فاطمي في آلموت – مقر الحسن الصباح – تحذر من إرسال فرقة لاغتيال الخليفة الآمر ، وبسرعة ارتفعت درجة الاستعداد إلى الغاية القصوى ، وجرى تفتيش كل المسافرين من العراق والشام إلى مصر ، ولكن فرقة الاغتيال كانت قد سبقت فى الوصول للقاهرة . وانتقل البحث عنهم الى ضواحى القاهرة ، وأحست فرقة الاغتيال ـ وكانوا عشرة ـ  بالخناق يضيق عليهم ، فاجتمعوا سرا في بيت مهجور وتشاوروا وهم يتوقعون الإيقاع بهم في أي وقت ، فقال أحدهم : الرأي أن تقتلوا رجلا منكم وتلقوا برأسه في " بين القصرين " لتنظروا ، فان عرفه الآمر فثقوا أنهم يعرفون صوركم وملامحكم فلابد أن تفروا ، وان لم يتعرفوا على الرأس المقطوع ، فاطمئنوا واعرفوا أن القوم في غفلة عنكم وأتموا مهمتكم . فقالوا له : ما ينبغي لنا أن نقتل واحدا منا وينقص عددنا ، فقال لهم صاحب الرأي : إن هذا مصلحة لنا ولسيدنا ، وما دللتكم إلا على نفسي. وأسرع فقتل نفسه بسكين ومات .  وأخذوا رأسه ورموه في الليل بين القصرين وأصبحوا ينظرون ماذا يفعل الناس ، فاجتمع حوله الناس ولم يتعرف عليه أحد من الناس أو من السلطات ، ففرح الباطنية المتآمرون وعزموا على تنفيذ المهمة . كانوا قد تعرفوا على تحركات الآمر والطرق التى يسلكها موكبه ، وعلى أساسها وضعوا خطة إغتياله ؛ كمنوا له ينتظرون موكبه ، وانتظروا في الطريق فى نقطة بين الشاطىء والجسر حين يتوقف الموكب وينزل الخليفة ليركب السفينة للنزهة المعتادة . سار الموكب على الشاطىء ونزل الخليفة إلى الجسر، وقبل أن يلحق به بقية الحرس وثب عليه المتآمرون التسعة وثبة رجل واحد يضربونه بالخناجر والسكاكين ولحق بهم الحرس فقتلوهم جميعا ، ولكن الخليفة كان قد شبع موتا.
وحملوا الخليفة المقتول إلى قصر البدوية العالية ، كأنه قد صمم على الذهاب إليها حتى بعد مصرعه .
ولا نعرف كيف استقبلت جثته ..!
هل بالحزن على زوج عاشق ولهان ؟ أم بالسرور لأنها تخلصت من زوج مزواج سجان؟

د .احمد صبحى منصور

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق