***
***

الأحد، 1 مارس 2015

الملك العادل والصبية الذكية

في زمن قديم اراد الملك العادل ان يروح عن نفسه فقصد الصيد وبرفقته عدد من فرسانه وجنوده، وبينما هو يسعى وراء ظبي اعجبته رقته وخفته اذ رأى ضيعة قريبة بها بيت حسن المنظر محاط باشجار وحقول مزروعة بنبات قصب السكر. لما وجد الملك نفسه بعيداً عن عسكره دون ان يتمكن من اللحاق بالظبي الشارد، فقد اثر عدم متابعته والتوجه الى ذلك البيت للحصول على شربة ماء تروي ظمأه، وعندما طرق الباب خرجت اليه صبية جميلة تبدو عليها مخايل الذكاء والفطنة، فقال لها انا عطشان يا فتاتي.. هل لي ان اطلب منك بعض الماء؟ رغم ان الصبية عرفته فانها اكتفت بقولها، مرحباً يا سيدي في دارنا.. استرح قليلا وسوف اسقيك عصير قصب حلو المذاق. دلفت الصبية الى داخل البيت وعصرت له عوداً واحداً من قصب السكر: ثم وضعت في القدح مسحوقاً من الطيب رمادي اللون، ذا رائحة جذابة، ولما سلمت القدح الى الملك نظر اليه فلاحظ على سطح العصير ما يشبه التراب فاخذ يشرب منه متمهلاً حتى لا يدخل في جوفه شيء منه وحينما اتى على ما في القدح من عصير قال للصبية: ما احلى هذا العصير.. لولا ذلك الشيء الذي كدره!. اجابته الصبية وهي تبتسم: يا مولاي الملك العادل.. انه نوع من الطيب اردت بوضعه ان يزيد من  حلاوة العصير، فتستمتع به وفي ذات الوقت اوهمك بأن هناك شيئاً آخر في العصير كي تتأنى في شربك. فسألها الملك متعجباً: ولم فعلت ذلك؟ قالت الصبية: لقد وجدتك يا مولاي شديد العطش، فخفت ان تشربه في نهلة واحدة فيضرك! استملح الملك فعلها واعجب بجودة عقلها وحسن تصرفها.. ولذلك سألها: كم عوداً من القصب عصرت؟ فأجابته: من عود واحد عصرت لك ملء القدح. هنا تمتم الملك العادل قائلاً وهي تسمعه: كيف يحدث ذلك وعمالي المكلفون بجباية الضرائب لم يرفعوا اسهمها المفروضة على الاهالي منذ سنوات عديدة؟ عندما ارجع الى القصر الملكي سأصدر امراً بزيادة الضرائب على هذه المنطقة لان ارضها وقصبها يعطيان الكثير من الخير!. وبعد ذلك شكر الملك العادل الصبية وهو ينصرف متوجهاً الى عسكره كي يكمل رحلة الصيد حتى آخر النهار. خلال العودة طلب الملك من رجاله ان يبتعدوا عنه قبل ان يمر بالبيت الذي قابل فيه الصبية، ولما طرق الباب فتحت له وهي ترحب به، فطلب منها قدحاً آخر من العصير. فاستأذنته في الدخول لاعداده، وحينما ابطأت كثيراً نادى عليها قائلاً: لماذا تأخرت هذه المرة ايتها الصبية؟ قالت له ان القدح لم يملأه عصير عود واحد من القصب، فاضطررت الى عصر ثلاثة عيدان دون ان  يخرج منها حتى الآن ما كان يخرج من عود واحد! فسألها الملك العادل مندهشاً وما سبب ذلك؟! قالت له: سببه ان نية الملك نحونا قد تغيرت فامتنع القصب عن تقديم خيره لنا حتى لا يضرنا بمضاعفة الضرائب علينا وقد قال الحكماء ان نية الملك اذا تغيرت على قوم زالت بركتهم وقلت خيراتهم! فضحك الملك طويلاً من حسن تصرف الصبية التي ملكت الفطنة وسحر الكلمة والحرص على الاهل وقال وهو ينظر اليها: لقد تنازلت من اجلك عما قررت ولكنني سآخذ منكم ما هو اغلى من الضرائب ومال خزائني كله. هنا فهمت الصبية انه يقصد الزواج بها، فقالت له دون تردد وهي تبتسم: - عندئذ لا بأس ففي هذه الحالة يا مولاي ستزيد البركة وتتضاعف الخيرات وتعلو بكرم الملك العادل عيدان القصب لتطاول السماء وتملأ كل الاقداح وجميع جرار العسل وصناديق السكر.

***

ثلاثة من الشباب كانوا يعملون حمّارين – يحملون
البضائع للناس من الأسواق إلى البيوت على الحمير –
وفي ليلة من الليالي وبعد يوم من العمل الشاق ,
تناولوا طعام العشاء وجلس الثلاثة يتسامرون
فقال أحدهم واسمه " محمد " افترضا أني خليفة .. ماذا تتمنيا ؟

فقالا يا محمد إن هذا غير ممكن . فقال : افترضا جدلاً أني خليفة ..
فقال أحدهم هذا محال وقال الآخر يا محمد أنت تصلح حمّار أما الخليفة فيختلف عنك كثيراً ..
قال محمد قلت لكما افترضا جدلاً أني خليفة , وهام محمد في أحلام اليقظة .
وتخيل نفسه على عرش الخلافة وقال لأحدهما : ماذا تتمنى أيها الرجل ؟

فقال : أريد حدائق غنّاء , وماذا بعد قال الرجل : إسطبلاً من الخيل ,
وماذا بعد , قال الرجل : أريد مائة جارية ... وماذا بعد أيها الرجل , قال مائة ألف دينار ذهب .
ثم ماذا بعد , يكفي ذلك يا أمير المؤمنين .
كل ذلك و محمد ابن أبي عامر يسبح في خياله الطموح ويرى نفسه على عرش الخلافة ,
ويسمع نفسه وهو يعطي العطاءات الكبيرة
ويشعر بمشاعر السعادة وهو يعطي بعد أن كان يأخذ ,
وهو ينفق بعد أن كان يطلب ,
وهو يأمر بعد أن كان ينفذ وبينما هو كذلك التفت إلى صاحبه الآخر وقال

ماذا تريد أيها الرجل . فقال : يا محمد إنما أنت حمّار ,
والحمار لا يصلح أن يكون خليفة .....
فقال محمد : يا أخي افترض جدلاً أنني الخليفة ماذا تتمنى ؟
فقال الرجل أن تقع السماء على الأرض أيسر من وصولك إلى الخلافة ,
فقال محمد دعني من هذا كله ماذا تتمنى أيها الرجل ,
فقال الرجل : إسمع يا محمد إذا أصبحت خليفة
فاجعلني على حمار ووجه وجهي إلى الوراء
وأمر منادي يمشي معي في أزقة المدينة
وينادي أيها النااااااا س ! أيها الناااااا س ! هذا دجال محتال
من يمشي معه أو يحدثه أودعته السجن
...
وانتهى الحوار ونام الجميع ومع بزوغ الفجر استيقظ محمد وصلى صلاة الفجر وجلس يفكر ..
صحيح الذي يعمل حمارا لن يصل إلى الخلافة ,
فكر محمد كثيرا ما هي الخطوة الأولى للوصول إلى الهدف المنشود .
توصل محمد إلى قناعة رائعة جداً وهي تحديد الخطوة الأولى
حيث قرر أنه يجب بيع الحمار

وفعلاً باع الحمار
وانطلق ابن أبي عامر بكل إصرار وجد .
يبحث عن الطريق الموصل إلى الهدف .
وقرر أن يعمل في الشرطة بكل جد ونشاط –

أعجب به الرؤساء والزملاء والناس وترقى في عمله حتى أصبح رئيساً لقسم الشرطة في الدولة الأموية في الأندلس .
ثم يموت الخليفة الأموي ويتولى الخلافة بعده ابنه هشام المؤيد بالله
وعمره في ذلك الوقت عشر سنوات ,
وهل يمكن لهذا الطفل الصغير من إدارة شئون الدولة .
وأجمعوا على أن يجعلوا عليه وصياً
ولكن خافوا أن يجعلوا عليه وصياً من بني أمية فيأخذ الملك منه...
فقرروا أن يكون مجموعة من الأوصياء من غير بني أمية ,
وتم الاختيار على محمد ابن أبي عامر وابن أبي غالب والمصحفي .
وكان محمد ابن أبي عامر مقرب إلى صبح أم الخليفة واستطاع أن يمتلك ثقتها
ووشى بالمصحفي عندها وأزيل المصحفي من الوصاية
وزوج محمد ابنه بابنة ابن أبي غالب ثم أصبح بعد ذلك هو الوصي الوحيد
ثم اتخذ مجموعة من القرارات ؛ فقرر أن الخليفة لا يخرج إلا بإذنه ,
وقرر انتقال شئون الحكم إلى قصره ,
وجيش الجيوش وفتح الأمصار واتسعت دولة بني أمية في عهده
وحقق من الانتصارات ما لم يحققه خلفاء بني أمية في الأندلس .
حتى اعتبر بعض المؤرخين أن تلك الفترة فترة انقطاع في الدولة الأموية ,
وسميت بالدولة العامرية . هكذا صنع الحاجب المنصور محمد ابن أبي عامر.
بعد ثلاثين سنة من بيع الحماروبينما الحاجب المنصور يعتلي عرش الخلافة وحوله الفقهاء والأمراء والعلماء ..
تذكر صاحبيه الحمارين فأرسل أحد الجند وقال له : اذهب إلى مكان كذا
فإذا وجدت رجلين صفتهما كذا وكذا فأتي بهما .
أمرك سيدي ووصل الجندي ووجد الرجلين بنفس الصفة وفي نفس المكان ...
قال الجندي : إن أمير المؤمنين يطلبكما ,أمير المؤمنين إننا لم نذنب . لم نفعل شيئاً .. ما جرمنا ..
قال الجندي : أمرني أن آتي بكما . ووصلوا إلى القصر , دخلوا القصر نظرا إلى الخليفة ..
قالا باستغراب إنه صاحبنا محمد ...

قال الحاجب المنصور : اعرفتماني ؟
قالا نعم يا أمير المؤمنين , ولكن نخشى أنك لم تعرفنا ,
قال : بل عرفتكما ثم نظر إلى الحاشية وقال :
كنت أنا وهذين الرجلين سويا قبل ثلاثين سنة
وكنا نعمل حمارين وفي ليلة من الليالي جلسنا نتسامر
فقلت لهما إذا كنت خليفة فماذا تتمنيا ؟ فتمنيا
ثم التفت إلى أحدهما وقال : ماذا تمنيت يا فلان ؟ قال الرجل حدائق غنّاء ,
فقال الخليفة لك حديقة كذا وكذا .
وماذا بعد قال الرجل : اسطبل من الخيل
قال الخليفة لك ذلك وماذا بعد ؟
قال مائة جارية , قال الخليفة لك مائة من الجواري ثم ماذا ؟
قال الرجل مائة ألف دينار ذهب ,
قال : هو لك وماذا بعد ؟ قال الرجل كفى يا أمير المؤمنين .
قال الحاجب المنصور ولك راتب مقطوع - يعني بدون عمل – وتدخل عليّ بغير حجاب .
ثم التفت إلى الآخر وقال له ماذا تمنيت ؟
قال الرجل اعفني يا أمير المؤمنين ,
قال : لا و الله حتى تخبرهم
قال الرجل : الصحبة يا أمير المؤمنين ,
قال حتى تخبرهم . فقال الرجل
قلت إن أصبحت خليفة فاجعلني على حمار واجعل وجهي إلى الوراء
وأمر منادي ينادي في الناس
أيها الناس هذا دجال محتال من يمشي معه أو يحدثه أودعته السجن

قال الحاجب المنصور محمد ابن أبي عامر افعلوا به ما تمنى حتى يعلم

( أن الله على كل شيء قدير .. )

***

احد السجناء في عصر لويس الرابع عشر محكوم عليه بالاعدام ومسجون في
جناح قلعه هذا السجين لم يبق على موعد اعدامه سوى ليله واحده ويروى عن
لويس الرابع عشر ابتكاره لحيل وتصرفات
غريبة وفي تلك الليلة فوجىء السجين بباب الزنزانة يفتح ولويس
يدخل عليه مع حرسه ليقول له اعطيك
فرصه ان نجحت في استغلالها
يمكنك ان تنجوا هناك مخرج موجود
في جناحك
بدون حراسه ان تمكنت من العثور
عليه يمكنك الخروج وان لم تتمكن
فان الحراس سيأتون غدا مع شروق
الشمس لأخذك لحكم الاعدام غادر الحراس
الزنزانة مع الامبراطور بعد ان فكوا سلاسله وبدات المحاولات وبدأ يفتش في
الجناح الذي سجن فيه والذي يحتوي
على عدة غرف وزوايا ولاح له الامل
عندما اكتشف غطاء فتحه مغطاة
بسجاده باليه على الارض وما ان
فتحها حتى
وجدها تؤدي الى سلم ينزل الى
سرداب سفلي ويليه درج اخريصعد
مره اخرى
وظل يصعد الى ان بدأ يحس بتسلل
نسيم الهواء الخارجي مما بث في نفسه
الامل الى ان وجد نفسه في النهاية في برج القلعة الشاهق والارض لا يكاد
يراها عاد ادراجه حزينا منهكا ولكنه واثق ان الامبراطور لايخدعه وبينما هو
ملقى على الارض مهموم ومنهك ضرب بقدمه الحائط واذا به يحس بالحجر
الذي يضع عليه قدمه يتزحزح فقفز وبدأ يختبر الحجر فوجد بالامكان تحريكه
وما ان ازاحه واذا به يجد سردابا ضيقا لا يكاد يتسع للزحف فبدأ يزحف وكلما
زحف كلما استمر يزحف بدا يسمع صوت خريرمياه واحس بالامل لعلمه ان
القلعة تطل على نهر لكنه في النهاية وجد نافذة مغلقة بالحديد امكنه ان يرى
النهر من خلالها عاد يختبر كل حجر وبقعه في السجن ربما كان فيه مفتاح
حجر اخر لكن محاولاته ضاعت سدى والليل يمضي واستمر يحاول..ويفتش
وفي كل مره يكتشف املا جديدا..فمره ينتهي الى نافذه حديديه ومره الى
سرداب طويل ذو تعرجات لا نهاية لها ليجد السرداب اعاده لنفس الزنزانة
وهكذا ظل طوال الليل يلهث في محاولات وبوادر امل تلوح له مره من هنا
ومره من هناك وكلها توحي له بالامل في اول الامر لكنها في النهاية تبوء
بالفشل واخيرا انقضت ليلة السجين كلها ولاحت له الشمس من خلال النافذة
ووجد وجه الامبراطور يطل عليه من الباب ويقول له اراك لازلت هنا قال
السجين كنت اتوقع انك صادق معي ايها الامبراطور...قال له الامبراطور..
لقد كنت صادقا ساله السجين..لم اترك بقعه في الجناح لم احاول فيها فاين
المخرج الذي قلت لي
قال له الامبراطور لقد كان باب الزنزانة مفتوحا وغير مغلق!
***
الـمُـغـفّـلــة
من روائع: أنطون بافلوفتش تشيكوف
منذ أيام دعوتُ الى غرفة مكتبي مربّية اولادي يوليا فاسيليفنا لكي أدفع
لها حسابها
قلت لها: اجلسي يايوليا..
هيّا نتحاسب..
أنتِ في الغالب بحاجة إلى النقود،
ولكنك خجولة إلى درجة انك لن تطلبينها بنفسك..
حسنا..
لقد اتفقنا على ان ادفع لك ثلاثين روبلا في الشهر
قالت: أربعين
قلت: كلا،
ثلاثين..
هذا مسجل عندي..
كنت دائما ادفع للمربيات ثلاثين روبلا..
حسناً،
لقد عملت لدينا شهرين
قالت: شهرين وخمسة أيام
قلت: شهرين بالضبط..
هكذا مسجل عندي..
اذن تستحقين ستين روبلا..
نخصم منها تسعة ايام آحاد..
فأنت لم تعملّي كوليا في أيام الآحاد بل كنت تتنزهين معهم فقط..
ثم ثلاثة أيام أعياد
تضرج وجه يوليا فاسيليفنا،
وعبثت اصابعها باهداب الفستان ولكن..
لم تنبس بكلمة
واصلتُ:
نخصم ثلاثة أعياد،
اذن المجموع اثنا عشر روبلا..
وكانت كوليا مريضاً اربعة ايام ولم تكن تدروس..
كنت تدرسين لفاريا فقط..
وثلاثة أيام كانت أسنانك تؤلمك فسمحتْ لك زوجتي بعدم التدريس بعد الغداء..
اذن اثنا عشر زائد سبعة.. تسعة عشر.. نخصم، الباقي ..هم.. واحد واربعون روبلا.. مضبوط؟
احمرّت عين يوليا فاسيليفنا اليسرى وامتلئت بالدمع، وارتعش ذقنها..
وسعلت بعصبية وتمخطت، ولكن.. لم تنبس بكلمة
قلت: قبيل رأس السنة كسرتِ فنجانا وطبقا..نخصم روبلين..
الفنجان أغلى من ذلك، فهو موروث، ولكن فليسامحك الله!
علينا العوض..
وبسبب تقصيرك تسلق كوليا الشجرة ومزق سترته..
نخصم عشرة..
وبسبب تقصيرك ايضا سرقتْ الخادمة من فاريا حذاء..
ومن واجبك ان ترعي كل شئ،
فأنتِ تتقاضين مرتباً..
وهكذا نخصم ايضا خمسة..
وفي 10 يناير اخذت مني عشرة روبلات
همست يوليا فاسيليفنا: لم آخذ
قلت: ولكن ذلك مسجل عندي
قالت: حسناً، ليكن
واصلتُ: من واحد واربعين نخصم سبعة وعشرين..
الباقي اربعة عشر
امتلأت عيناها الاثنتان بالدموع..
وظهرت حبات العرق على انفها الطويل الجميل..
ياللفتاة المسكينة
قالت بصوت متهدج: أخذتُ مرة واحدة.. أخذت من حرمكم ثلاثة روبلات.. لم آخذ غيرها
قلت: حقا؟ انظري،
وانا لم اسجل ذلك!
نخصم من الاربعة عشر ثلاثة،
الباقي احد عشر..
ها هي نقودك يا عزيزتي!
ثلاثة.. ثلاثة.. ثلاثة.. واحد، واحد.. تفضلي
ومددت لها احد عشر روبلا..
فتناولتها ووضعتها في جيبها بأصابع مرتعشة..
وهمست: شكراً
انتفضتُ واقفا واخذتُ أروح واجئ في الغرفة واستولى عليّ الغضب
سألتها: شكراً على ماذا؟
قالت: على النقود
قلت: ياللشيطان،
ولكني نهبتك،
سلبتك!
لقد سرقت منك!
فعلام تقولين شكراً؟
قالت: في أماكن أخرى لم يعطوني شيئا
قلت: لم يعطوكِ؟!
ليس هذا غريبا!
لقد مزحتُ معك،
لقنتك درسا قاسيا..
سأعطيك نقودك،
الثمانين روبلا كلها!
هاهي في المظروف جهزتها لكِ!
ولكن هل يمكن ان تكوني عاجزة الى هذه الدرجة؟
لماذا لا تحتجين؟
لماذا تسكتين؟
هل يمكن في هذه الدنيا ألاّ تكوني حادة الانياب؟
هل يمكن ان تكوني مغفلة الى هذه الدرجة؟
ابتسمتْ بعجز فقرأت على وجهها: يمكن
سألتُها الصفح عن هذا الدرس القاسي وسلمتها، بدهشتها البالغة، الثمانين روبلا كلها..
فشكرتني بخجل وخرجت
تطلعتُ في اثرها وفكّرتُ: ماأبشع أن تكون ضعيفاً في هذه الدنيا!

***
عندما كان أبوالكلام آزاد رئيساً للهند , زار دولة خليجية، وكان ضمن برنامجه أن يزور إحدى الكليات ويلقي كلمة لأساتذتها وطلبتها وجمهور من الحاضرين، وأثناء وقوفه أمام المنصة،

قال للجمهور الغفير الذي كان ينتظر كلمته:

اسمحوا لي بدقيقة أسلّم فيها على صديق لم أره منذ فترة، وقد رأيته الآن بينكم

ثم نزل من على المنصة واتجه إلى باب القاعة حيث كان يقف حارس الأمن الهندي في تلك الكلية،

واحتضنه وسلم عليه وتبادل معه بعض الكلمات، ثم عاد إلى المنصة وألقى كلمته.

وبعد أن غادر موكب الرئيس هرع المسؤولون في الكلية إلى ذلك الحارس يسألونه عن علاقته بالرئيس، فقال لهم:

إن الرئيس رجل متواضع ومحترم، ولم يقل لكم طبيعة عملي معه،

فأنا لست سوى السائق الذي كان يعمل عنده قبل أن يصبح رئيساً!!

ولمن لا يعرف هذا الرئيس «المتواضع»، فهو أبوالقنبلة النووية الهندية، وصانع مجد الهند الحديثة، وهو الذي وضعها على طريق استخدام الطاقة النووية حيث كان يسمى «الرجل الصاروخ»، لأنه كان الأب الروحي لبرنامج الهند الصاروخي، قبل أن ينتقل إلى مجال الطاقة النووية، وله شعبية واسعة بين الهنود بمختلف أديانهم وأعراقهم

فقد كان يحترم كافة طوائف شعبه، وقد لقبه الهنود بـ «رئيس الشعب»،

وهو حاصل على الدكتوراه في الهندسة التكنولوجية، وحاصل كذلك على 30 شهادة دكتوراه فخرية من أرقى جامعات العالم تقديرا لجهوده ومكانته العلمية،

كما أنه حاصل على عدد من مراتب الشرف، وتولى رئاسة الهند عام 2002 حتى عام 2007، ومن كلماته:

« ما لم نكن أحراراً فلن يحترمنا أحد »!

أردت بهذا أن أُبَيِّنَ مكانة الرجل العلمية والسياسية،

هذه المكانة التي لو توافر ربعُها لأحدهم لوضع نفسه بين السماء والأرض!!

لكن الرجل لم يكن من هؤلاء؛ فقد ترك الرئاسة بعد انتهاء ولايته وترك أبحاثه بعد أن أدى رسالته،\

ونسي الناس حياته الشخصية، لكنهم لم ينسوا ذلك الموقف المتواضع؛
***
يحكى أن أحد الملوك قد خرج ذات يوم مع وزيره متنكرين، يطوفان أرجاء المدينة، ليروا أحوال الرعية، فقادتهم الخطا إلى منزل في ظاهر المدينة، فقصدا إليه، ولما قرعا الباب، خرج لهما رجل عجوز دعاهما إلى ضيافته، فأكرمهما وقبل أن يغادره،
قال له الملك : لقد وجدنا عندك الحكمة والوقار، فنرجوا أن تزوّدنا بنصيحة
فقال الرجل العجوز :
لا تأمن للملوك ولو توّجوك
فأعطاه الملك وأجزل العطاء ثم طلب نصيحة أخرى
فقال العجوز:
لا تأمن للنساء ولو عبدوك
فأعطاه الملك ثانية ثم طلب منه نصيحة ثالثة
فقال العجوز:
أهلك هم أهلك، ولو صرت على المهلك
فأعطاه الملك ثم خرج والوزير
وفي طريق العودة إلى القصر أبدى الملك استياءه من كلام العجوز وأنكر كل تلك الحكم، وأخذ يسخر منها
وأراد الوزير أن يؤكد للملك صحة ما قاله العجوز،فنزل إلى حديقة القصر، وسرق بلبلاً كان الملك يحبه كثيراً، ثم أسرع إلى زوجته يطلب منها أن تخبئ البلبل عندها، ولا تخبر به أحداً
وبعد عدة أيام طلب الوزير من زوجته أن تعطيه العقد الذي في عنقها كي يضيف إليه بضع حبات كبيرة من اللؤلؤ، فسرت بذلك، وأعطته العقد
ومرت الأيام، ولم يعد الوزير إلى زوجه العقد، فسألته عنه، فتشاغل عنها، ولم يجبها، فثار غضبها، واتهمته بأنه قدم العقد إلى امرأة أخرى، فلم يجب بشيء، مما زاد في نقمته
وأسرعت زوجة الوزير إلى الملك، لتعطيه البلبل، وتخبره بأن زوجها هو الذي كان قد سرقه، فغضب الملك غضباً شديداً، وأصدر أمراً بإعدام الوزير
ونصبت في وسط المدينة منصة الإعدام، وسيق الوزير مكبلاً بالأغلال، إلى حيث سيشهد الملك إعدام وزيره، وفي الطريق مرّ الوزير بمنزل أبيه وإخوته ، فدهشوا لما رأوا، وأعلن والده عن استعداده لافتداء ابنه بكل ما يملك من أموال، بل أكد أمام الملك أنه مستعد ليفديه بنفسه
وأصرّ الملك على تنفيذ الحكم بالوزير، وقبل أن يرفع الجلاد سيفه، طلب أن يؤذن له بكلمة يقولها للملك، فأذن له، فأخرج العقد من جيبه، وقال للملك، ألا تتذكر قول الحكيم:‏
لا تأمن للملوك ولو توّجوك
ولا للنساء ولو عبدوك
وأهلك هم أهلك ولو صرت على المهلك
وعندئذ أدرك الملك أن الوزير قد فعل ما فعل ليؤكد له صدق تلك الحكم، فعفا عنه، وأعاده إلى
مملكته وزيراً مقربـــاً
***

كان هـنالـك ولد عـصـبي و كان يـفـقـد صـوابه بشكـل مسـتـمـر .
فـأحـضـر له والده كـيـساً مـمـلـوءاً بالمسامـيـر
...و قال له: يا بني أريدك أن تـدق مسمارا في سـيـاج حـديـقـتـنا
كلما اجـتاحـتـك موجـة غـضـب و فـقـدت أعـصـابـك ...


و هكذا بدأ الولد بتـنـفـيـذ نـصـيـحـة والده فدق في اليوم الأول 37 مسماراً
و لكن إدخال المسمار في السياج لم يكن سهلا.ً
فـبـدأ يحاول تمالك نـفـسه عـنـد الغـضـب..
و بعـد مرور أيام كان يدق مسامير أقـل..
و بعـدها بأسابـيـع تمكن من ضـبـط نـفـسه..
و توقف عن الغضب وعن دق المسامير.

فجاء إلى والده و أخبره بإنجازه فـفـرح الأب بهذا التحول و قال له:
ولكن عليك يا بني باستخراج مسمار لكل يوم لا تـغـضـب به.
و بدأ الولد من جديد بخـلـع المسامير في اليوم الذي لا يـغـضـب فيه
حتى انـتـهـى من المسامير في السياج..
فجاء إلى والده و أخبره بإنجازه مرة أخرى..

فأخذه والده إلى السياج و قال له:
يا بني انك صـنـعـت حـسـنا..
ولكن انـظـرالآن الى تلك الثقوب في السياج ،
هذا السياج لن يكون كما كان أبدا.
وأضاف:عـنـدما تقول أشياء في حالة غـضـب فإنها تـتـرك
آثار مـثـل هذه الثـقـوب في نفوس الآخرين.
تـسـتـطـيـع أن تـطـعـن الإنسان و تـخـرج السـكـيـن،
ولكن لن يهم كم مرة تـقـول (( أنا آسـف )) لأن الجـرح سـيـظـل هـناك..!!

***

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق