***
***

الثلاثاء، 17 يونيو 2014

مدينة عسقلان

تقع المدينة على بعد ٢٠ كم شمال شرق غزة على طريق تل أبيب وتنساب نحو واحة كبيرة خضراء من مدن البحر الأبيض المتوسط. كانت على مر التاريخ معبرا لا بد منه للنازل إلى مصر عبر طريق الشاطئ. كانت عسقلان مركزا كنعانيا بالغ الأهمية منذ الألف الثاني ق.م. وتعود آثار الاستيطان البشري إلى العصر الحجري. موقعها على الطريق العسكري المحاذي لشاطئ البحر بين مصر وسوريا جعل منها مركزا طبيعيا لدعم ومساندة الجيوش الفرعونية في زحفها نحو الشرق. ١٢٠٠ق.م. احتل الفلسطينيون أرض فلسطين وجعلوا من عسقلان إحدى إماراتهم الأكثر أهمية وكانت تؤلف مع غزة وعزوت وچَتْ وعَقْرون الاتحاد الفلسطيني الخماسي. كانت عسقلان منذ أقدم العصور مكان التقاء الديانات الوثنية وانتشرت فيها عبادة عشتار وأتارچيس الآلهة التي على شكل حورية نصفها امرأة ونصفها الآخر سمكة. وكانت هذه الديانات تمثل خطرا كبيرا على شعب الله وكانت السبب في تدخلات الأنبياء العنيفة ضد المدن الفلسطينية. بعد احتلال اسكندر المقدوني للمدينة تحولت بالتدريج إلى مركز إغريقي مزدهر. عام ١٠٤ ق.م. استعادت المدينة هويتها بعد أن احتلها السلاجقة وتمتعت تحت الحماية الرومانية بفترة من الازدهار الملحوظ. وقد جمّلها هيرودس الذي 
كان من مواليدها ووهبها العظمة التي تستحقها. وتعود آثار المبنى العمومي الضخم القائم في وسط المدينة والذي تزينه العمدان القورنتية إلى هذه الحقبة. سرعان ما انتشرت المسيحية في المدينة رغم ردود الفعل الوثنية التي شهد عليها الشهداء الذين ذبحوا في بداية القرن الرابع. ونعرف أيضا أسماء بعض الأساقفة الذين شاركوا في مختلف المجامع التي انعقدت في تلك الفترة. وكانت الفترة البيزنطية من أفضل الفترات للمسيحيين في المدينة. وقد وردتنا أنباء عن وجود كنيسة ودير مكرسين للعذراء وبيتين آخرين لاستقبال الحجاج. ويروي حاج مسيحي مجهول الاسم (٥٧٠ ب.م.) بأسلوبه الرائع بأنه زار في المدينة بئرا «حفره إبراهيم» ويدعى «بئر السلام». الفتح العربي لم يزعج الجماعة المسيحية في البداية. لكن عام ٩٤٠ قام اليهود والمسلمون بإحراق  الكنيسة ومنذ ذلك الحين لم تعد المدينة كرسيا أسقفيا وراحت الجماعة المسيحية تختفي شيئا فشيئا. احتل الصليبيون المدينة عام ١١٥٣م. 
بعد أن حاصروها بسلسلة من الحصون التي عزلتها تدريجيا عن بقية المدن إلى أن استسلمت دون معركة تذكر. وحوّلها الفاتحون إلى قلعة حصينة وأحاطوها بسور من الحجارة المصقولة تحميها الأبراج العالية والدعامات الرملية. وما زالت أماكن الأبواب الثلاثة (باب يافا وباب القدس وباب غزة) ظاهرة بوضوح إلى يومنا هذا. وقد تميزت الحقبة الصليبية بإعادة إحياء المسيحية في المدينة التي ما أن عاد واحتلها المسلمون حتى اختفت المسيحيّة تماما. وجعل منها صلاح الدين القاعدة لاحتلال القدس. وقد تمّ هدمها بعد ذلك تنفيذا لأوامره.  منذ ذلك الحين اختفت المدينة إلى أن سكن فيها أحد باشوات مصر في القرن الماضي وجعل منها مستعمرة مصرية وبنى برجا للدفاع عنها. ومنذئذ راحوا يشيدون في المدينة مختلف الأبنية ولكنها قامت للأسف على حساب الأماكن الأثرية التي اختفت معالمها.  عسقلان اليوم مدينة بستانية. فريح الصحراء ونسيم البحر خلقا فيها جوا جميلا جعل منها مركزا سياحيا جذابا وأحد أفضل المصايف في البلاد. أصبح جميع سكانها يهوداً بعد أن لجأ سكانها العرب إلى غزة إثر حرب عام ١٩٤٨. تحولت المنطقة الأثرية إلى حديقة عامة على شكل نصف دائرة. تقوم على أطرافها بقايا السور الصليبي الذي بناه رتشارد قلب الأسد وتظهر فيه آثار أبراج الحماية وأبواب المدينة.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق