***
***

الاثنين، 23 يونيو 2014

فينيقيا

فينيقْيَا اسم أطلقه قدماء الإغريق على الإقليم الذي تحتله الآن المناطق الساحلية من سوريا ولبنان وفلسطين. حدود فينيقيا : يمثل النَّهر الكبير الحدود الشمالية له، بينما يشكل جبل الكرمل حدوده الجنوبية. كذلك تحده جبال لبنان من الشرق والبحر المتوسط من الغرب.  أصل كلمة فينيقيا: لا يُعرف تحديدًا ويبدو أنها قد تطورت من كلمة كنعان، التي تعني بلاد الأرجوان وهو الاسم الذى أُطلق في البدء على بلاد سوريا  وفلسطين. كانت كنعان مصدرًا مهمًا للأرجوان الأحمر. يعتقد بعض الناس أن الإغريق ربما استخدموا لفظة فوينيك التي تعني الأرجوان الأحمر إشارة  إلى المجموعة التي كانت تُتاجر معهم في هذا الأرجوان لكن هناك من لا يقبل هذا التأويل. وفي النهاية أصبحت لفظة فينيقيا، اسمًا للشريط الساحلي لبلاد كنعان. كان الفينيقيون من أشهر شعوب العالم القديم، فقد كانوا بحارةً مهرة وملاّحين وتجارًا.  وسجل لهم التاريخ انهم كانوا من أوائل من أرسلوا مكتشفين وأقاموا مستعمرات على امتداد منطقة البحر 
الأبيض المتوسط وماوراء مضيق جبل طارق.   ليس من السهل التمييز بين الفينيقيين والشعوب الأخرى التي عاشت في بلاد كنعان قبل أن يفِد بنو إسرائيل هناك. ولهذا السبب يُعرف الفينيقيون في العهد القديم أحيانًا بالكنعانيين. وكثيرًا مايُشار إليهم بالصيداويين نسبة لمدينة صيدا الفينيقية. ويُعرف العلماء أن أوغاريت رأس شمرا الحالية، مدينة الفينيقيين الشمالية، والتي تقع في غربي سوريا، كانت على اتصال بحضارة كريت منذ 1900ق.م. وفي مابين عامي 1400م، و 1200ق.م. ازدهرت مُستعمرة مسينية في أوغاريت.  تحدث الفينيقيون لهجة إحدى اللغات السامية، واللغة الفينيقية قريبة جدًا من اللغة العربية، وتَبعُد نسبيًا عن الآرامية واللغات السامية في وادى الرافدين كالآشورية والبابلية. وقد كان العلماء في الماضي يعتقدون أن الفينيقيين قد ابتكروا أبجديتهم دون تأثير من أية جهة، إلا أن الاكتشافات الأخيرة أشارت إلى أنهم قد أخذوها من كتابات سابقة. تتكوّن الأبجدية الفينيقية من 22 صامتًا(حرفًا ساكنًا) ولما استعار الإغريق الأبجدية الفينيقية وضعوا خمسة رموز لأصوات ليست في لغتهم (كالعين والحاء... إلخ) لإعطاء الصوائت، أي الحركات وحروف المد. ومع بداية التاريخ الميلادي أصبحت الآرامية هي لغة فينيقيا، لكن أهل شمال إفريقيا حول قرطاج، المستعمرة الفينيقية، ظلوا يتحدثون اللغة الفينيقية حتى القرن السادس الميلادي، بلهجةً تُعرف بالبونيّة. وهناك بعض أسماء المناطق في جنوب أسبانيا التي استعمرها الفينيقيون في القرن الثامن ق.م. أو قبل ذلك، انحدرت من اللغة الفينيقية. فالاسم قادش (قادس، بالأسبانية الآن) جاء من الكلمة الفينيقية الحائط. وكلمة بايبل جاءت من الكلمة الإغريقية الكتاب والإغريق أخذوا الكلمة من مدينة بيبلوس (جبيل) الفينيقية والتي كانت 
مركزًا لتجارة البردي.  كان لدى الفينيقيين عدة معبودات، أطلقوا عليها اسم بعل (للسيد) و بعلت (للسيدة). وقد عبد كل الفينيقيين نفس المعبودات الرئيسية، رغم أن المعبودين قد عُرفوا بأسماء مختلفة في مدن مختلفة. فالمعبود ملقارت معبود صور يمكن أن يكون بعل صور. وقد مارس الفينيقيون تقديم القرابين تمامًا كما فعلت الشعوب السامية الأخرى. إلا أنهم قدموا قرابين بشرية في فينيقيا ومستعمراتهم الأخرى، الشيء الذي أكسبهم شهرة في القسوة.  وكانت قصة عشتروت ومحبوبها أدونيس معروفة في فينيقيا، ثم وجدت طريقها إلى اليونان حيث أصبحت عشتروت هي المعبودة الإغريقية أفروديت. وعرفها الرومان لاحقًا بفينوس. وقد عرفت قصة موت أدونيس المأساوية، بأنياب خنزير بري، وانتحاب محبوبته عليه، من الأدب الإغريقي، إلى اللاتيني، ثم الإنجليزي عبر قصة فينوس وأدونيس.
عاش الفينيقيون مثل الإغريق في عدد من الدول ـ المدن، ولم توحَّد تلك المدن في قطر واحد. وكانت أرستقراطيات يحكمها ملوك. وبدءًا من القرن التاسع ق.م ظهرت مجالس الحكماء لتحكم إلى جانب الملك، وكان بعض هذه المجالس أكثر نفوذًا من الملوك. وفي وقتٍ لاحق أصبحت مُعظم هذه المدن تحكمها حكومة مدنية تُسمى الشوفيت. وقد هبط مُعظم سكان الجبال الفينيقيين إلى البحر حيث بُنيت معظم المدن القديمة على جزر مثل صور وأرواد، أو احتلوا مواقع موانئ صغيرة على الساحل على منحدرات التلال. ومن أهم تلك المدن الساحلية، من الشمال إلى الجنوب: أرواد وجبيل وبيرتوس (بيروت الحالية) وصيدا وصور وعكا. والمدينة الوحيدة التي احتفظت بأهميتها حتى وقتنا الحالي هي بيروت عاصمة لبنان وأهم ميناء فيه.
 كانت فينيقيا تُعد الملتقى الطبيعى للحضارات الوافدة، لأنها تقع على الطريق الرئيسي للحركة بين مصر في الجنوب وآسيا الصغرى وبلاد الرافدين في الشرق. لقد فرضت مصر تأثيرات مبكرة على الفينيقيين. فمنذ عهد المملكة المصرية القديمة، منذ نحو 2686 إلى 2181ق.م، كانت مصر تستورد خشب الأرز المشهور من لبنان. في عهد المملكة المصرية الوسطى أنشأتْ الدولتان علاقات تجارية مُنتظمة. كان الفينيقيون يُصدرون الأخشاب ويستوردون الذهب والمصنوعات. وخلال القرن الخامس عشر قبل الميلاد أصبحت فينيقيا مقاطعة حدودية لمصر، وبقيت كذلك لنحو مائة عام. وفي هذه الأثناء تأثرت مصر بالمدن الفينيقية مثلما أثرت فيها. فكثيرًا مازار النبلاء الفينيقيون البلاط المصري كما أثّرت العبادات والأفكار الدينية الفينيقية في الفكر المصري.  كذلك تأثرت فينيقيا القديمة بالحضارة البابلية، فخلال القرن الرابع عشر قبل الميلاد كان أمراء فينيقيا يكتبون بالخط المسماري. وتعلم الفينيقيون ختم مستنداتهم بأختام بابلية. كذلك تعلم الفينيقيون من البابليين الكثير من قصصهم الأسطورية عن بداية العالم، ومولد آلهتهم، وخلق البشر. ويرى بعض العلماء أن فينيقيا كانت الممر الذي عبرت من خلاله الأساطير البابلية التي تَحكي عن الخلق وعن الطوفان، إلى العبرانيين في الجنوب وإلى الإغريق. ولفترة قصيرة خلال القرن الثالث عشر دخلت فينيقيا في دائرة النفوذ الحيثي، إلا أنها استعادت حريتها حين انهارت الإمبراطورية الحيثية. 
 سقطت المدن الفينيقية في قبضة الآشوريين في عام 842ق.م، ولمائتي عام بعد ذلك بقي الفينيقيون تحت حكم آشور. كانت تلك الحقبة فترة شدة وتمرد وقمع. وبعد سقوط الآشوريين في 612ق.م، خضعت فينيقيا لفترة وجيزة لحكم البابليين. بعد ذلك أصبحت المنطقة جُزءًا من الإمبراطورية الفارسية التي أنشأها الملك داريوس الأول. في هذه الفترة أصبحت صيدا أكثر أهمية من صور؛ وازدهرت المدن الفينيقية تحت حكم الفرس، وبقي الفينيقيون بُناة سفن وبحارة متميزين. وأثناء الحروب الفارسية (490 - 479ق.م) كان الأسطول الأول الفينيقي هو الساعد الأقوى للبحرية الفارسية في هجومها على بلاد الإغريق. يقول هيرودوت. إن ملك صيدا كان يحتل المرتبة الثانية بعد أحشورش ملك الفرس (أحشورش الأول) في هذا الأسطول. إلا أن الإغريق دمروا الأسطول الفينيقي عن آخره تقريبًا في معركة سلاميز في عام 480ق.م.  وقعت فينيقيا تحت الحكم الإغريقي المقدوني حين احتل الإسكندر مدينة صور في عام 332ق.م. أما خلفاؤه، حكام مصر وسوريا، فقد تصارعوا حول السيطرة على المدن الفينيقية والتحكم في مناعة بناء السفن وفي مصادرها التجارية. تبدلت الحضارة الفينيقية في هذه الفترة. وأصبحت اللغة الإغريقية لغة الأدب والمعرفة. أما الآرامية التي احتلت مكان اللغة الفينيقية في الماضي، فقد أصبحت لغة السوقة والعامة. وهناك عدد من فلاسفة تلك الفترة، انحدروا من أصول فينيقية، مثل زينو من صيدا وديودوروس من صور. وفي عام 64 ق.م، قام الإمبراطور الروماني بومبي العظيم بضم فينيقيا لتصبح جُزءًا من مقاطعة سوريا الرومانية. وكان الرومان قد أنشأوا مدرسة اشتهرت بتدريس القانون في بيروت. أصبحت صور وصيدا مركزين مهمين للمعرفة وواصلتا ازدهارهما التجاري. كذلك اشتهرت صور بصناعة الزجاج. وفي القرن السابع الميلادي فتح المسلمون فينيقيا وبقية سوريا.

هناك تعليق واحد: