***
***

الخميس، 26 يونيو، 2014

راسبوتين الراهب

ولد غريغوري يافيموفيتش راسبوتين في العاشر من يناير عام ألف وثمانمئة وتسعة وستين في قرية بوكروفسكوي الريفية الواقعة في سيبريا، بعيدا عن صالونات العائلة الملكية البراقة في سان بطرسبرغ. وفي طفولته، ظهرت لدى راسبوتين رؤى مستمرة عن القوى الإلهية وقدرات الشفاء الخارقة، إذ كان باستطاعته مثلا أن يبرئ حصانا بمجرد لمسه. لكنه اكتسب في فترة مراهقته اسم راسبوتين ( أي الفاجر) بسبب علاقاته الجنسية الفاضحة. وحين بلغ راسبوتين الثلاثين من عمره كان زوجا وأبا لأربعة أطفال، إلا أن ولعه بالشراب وسرقة الجياد كان دائما ما يتناقض وأصول الحياة العائلية التقليدية. وكان حادث اتهامه ذات مرة بسرقة حصان نقطة تحول في حياته، هرب على أثرها من القرية ولاذ بأحد الأديرة حيث اتخذ صفة الرهبانية التي لازمته بعد ذلك طيلة حياته. ومع تأثره بتجاربه الروحانية ، رحل راسبوتين عن قريته ليصبح مسافرا جوالا في أنحاء روسيا وخارجها. وخلال هذه الرحلات لم يغتسل أو يبدل ملابسة لفترات بلغت عدة أشهر، وكان يرتدي قيودا حديدية زادت من المعاناة. وقد شملت هذه الرحلات الدينية الشاقة رحلة إلى جبل اثوس باليونان وساعدته على اكتساب أنصار ذوي نفوذ 
مثل " هيرموجن، أسقف ساراتوي". وأثناء فترة تجواله، أصبح راسبوتين تحت تأثير طائفة متطرفة غير شرعية تعرف باسم خاليستي، وتنزع إلى الجلد والممارسات الجنسية. ولعل سمة الجمع الشاذ بين الورع والأفعال الجنسية غير الشرعية، وخاصة الفاضح منها، هي التي شكلت القاعدة التي ارتكزت عليها ممارسات راسبوتين الدينية فيما بعد. فلم تفارقه أبدا فكرة أن الفرد يمكن أن يصبح أكثر قربا من الله إذا ارتكب عمدا ذنبا شهوانيا ثم تاب توبة نصوح. ومثلما ذاع صيت راسبوتين، خلال جولاته التي استقطب فيها إعجاب الأرستقراطيين ورجال الدين، ازدادت أيضا قوة يصيرته. ففي إحدى المناسبات، ظهرت له السيدة مريم العذراء وحثته على الذهاب إلى سان بطرسبرغ لمساعدة العائلة الملكية. وفي عام آلف وتسعمائة واثنين كان أول تحرك لراسبوتين باتجاه العاصمة، حينما زار مدينة كازان الواقعة بالقرب من نهر فولجا. وبدأ سريعا في تكوين أكبر مجموعة من الحواريين والمعارف على مستوى الطبقات العليا. ولم يعوقه عن ذلك عيناه المغناطيسيتان، ولحيته الطويلة القذرة، وشخصيته المشبوهة. إذ نظر"مجتمع موسكو المهذب" إلى راسبوتين باعتباره "مرشدا روحيا" أو (رجلا مقدسا). وبحلول عام آلف وتسعمائة وثلاثة وصل إلى سان بطرسبرغ كلاما عن قوى صوفية قادمة من سيبريا ذات عيون وحشية مضيئة، ونظرة مجنونة. وبدا أن راسبوتين كان قد حدد موعدا لدخوله المجتمع الراقي في الوقت المناسب،. وقد ساهم في ذلك أن الطبقة الأرستقراطية كانت مولعة بمسائل السحر والتنجيم، و كانت عمليات تحضير الأرواح أمرا مألوفا. وفي عام آلف وتسعمائة وخمسة قابل راسبوتين عالم لاهوت كان يعمل رئيسا لأكاديمية دينية وكاهن اعتراف للإمبراطورة، إلكسندرا فيودوروفونا. وقدم للبلاط من خلال تزكية مسئولي الكنيسة العليا وراهبتان سوداوتان الشعر – كانتا تعرفان باسم الغرابان- كانتا فعالتان بإمداد البلاط بالصوفيين. وكان للأسرة الملكية الروسية في الماضي تقليد استقبال الرجال المقدسين من أجل مناشدة تدخلهم بعدة طرق ، خاصة تلك التي تؤمن مولد ذكر يرث عرش روسيا. سجل القيصر نيقولا الثاني في مذكراته اللقاء الأول براسبوتين في الرابع عشر من نوفمبر عام آلف وتسعمائة وخمسة، قائلا "تعرفنا على غريغوري، رجل الرب، من أبراشية توبولساك". وبنجاحه المعهود مع النساء، ترك راسبوتين انطباعا عميقا لدى الإمبراطورة ألكسندرا فيوديوروفونا. إذ اقتنعت تماما بقدراته حين استطاع بإعجاز أن يخفف من المعاناة والنزيف الذي أصاب أليكسيس نيكوليافبتش، وريث عرش روسيا المريض بسيلان الدم. ولم يمضي وقت طويل منذ أثبت راسبوتين قوته الخارقة للأكسندرا، حتى أصبح مستشارها الشخصي المؤتمن على أسرارها، يزورها في القصر في موعد أسبوعي محدد. وبذيوع شهرة راسبوتين، نجح في جذب المزيد من الأنصار من جميع الطوائف الاجتماعية. وقد تطوع هؤلاء " البلهاء" كما كان يطلق عليهم "لارتكاب الخطيئة من أجل التطهر من آثامهم" مع رجل بدوا عاجزين أمام جاذبيته. يزغ نجم الراهب راسبوتين في سان بطرسبرغ، وبالمثل زاد عدد أعدائه. إذ رآه كثيرون خارج حدود البلاط يحيا حياة السكر والعربدة، وغالبا ما يكون بصحبة العاهرات. وحين علم مسؤولون سياسيون كبار بهذه الشائعات، كلفوا شرطة سرية بتعقبه. وكان اثنين من أنصار راسبوتين السابقين هما راهب يميني متعصب يدعى ليودور، وهيرموجان أسقف ساراتوف، على اقتناع تام بأن راسبوتين ما هو إلا تجسيدا للشيطان. وفي عام آلف وتسعمائة وإحدى عشر استدرجاه إلى طابق سفلي حيث اتهماه باستخدام قوى الشيطان للقيام بمعجزاته وضرباه بصليب. وأبلغ راسبوتين الإمبراطورة بالواقعة وادعى أنهما حاولا قتله، ومن ثم تم نفي الرجلين. وفي السابع والعشرين من يونيو عام آلف وتسعمائة وأربعة عشر عاد راسبوتين إلى قريته في سيبريا. وفي اليوم التالي تلقى برقية، وبينما كان في طريقه لإرسال الرد هاجمته عاهرة سابقة مشوهة مجدوعة الأنف، تدعى شيونيا جاسيايا، بوحشية مستخدمة سكينا، دفعها ليودور لقتل راسبوتين. وبينما كان راسبوتين يتعافى في المستشفى من الطعنات التي أوصى بها ليودور، كان القيصر نيقولا يحشد قواته استعدادا للحرب العالمية الأولى، التي جلبت كارثة على وطنه، حيث فقد أكثر من أربع ملايين روسي أرواحهم. وبالعودة إلى سان بطرسبرغ ومع غياب القيصر، استطاع راسبوتين اكتساب المزيد والمزيد من القوى السياسية، وساهم في تعيين وطرد الوزراء. وبنفوذه الطاغي على قرارات القيصر السياسية، زاد اللوم الموجه للراهب السيبيري على المشاكل التي عانت منها البلاد، حتى أن مدينة سان بطرسبرغ أصبحت تعرف باسم " مدينة إبليس". وفي ديسمبر عام آلف وتسعمائة وستة عشر كتب راسبوتين خطابا للقيصر يتنبأ فيه بقتله. وعن قتلته المحتملين، كتب يقول" إذا قتلني أقاربك فلن يبقى أي فرد من عائلتك حيا لأكثر من عامين، وتستطيع أن تقول أي من أولادك أو أقاربك، فسوف يقتلهم الشعب الروسي.. سأُقتل، لم يعد لي وجود في هذه الحياة. صلي أرجوك، صلي، وكن قويا، وفكر في عائلتك المصونة". وبعد ثلاثة وعشرين يوم فقط، قتل اثنان من أقارب القيصر نيقولا الثاني راسبوتين. وبعد مرور تسعة عشر شهرا على مقتله، أعدم قيصر روسيا وعائلته بأيدي الثوار البلشفيين. فقد تزامن مع نبوءته أن حضر راسبوتين لمقابلة الأمير فيليكس يوسوبوي، الزوج لإيرينا ابنة أخ القيصر. وأراد يوسوبوي قتل راسبوتين، شأنه شأن ابنا عم القيصر الغراندوق ديميرتي بافالويتش، والسياسي فلاديمير بيرشيكفيتش. وتآمر الثلاثة معا على قتل راسبوتين والحفاظ على سلالة العائلة المالكة. وفي ليلة السادس عشر من ديسمبر عام آلف وتسعمائة وستة عشر دعا يوسوبوي راسبوتين إلى قصر مويكا بحجة أن إيرينا التي يشاع عنها أنها أجمل امرأة في سان بطرسبرغ تريد مقابلته. وبينما كان ينتظر ظهورها، قدم رجل لراسبوتين كعك وخمر مدسوس بهما سما مميتا. وقد أصيب المتآمر بالهلع لما بدا من حصانة راسبوتين ضد السم، ولم يستطع يوسوبوي السيطرة على نفسه 
فنزع مسدسه وأطلق النيران على راسبوتين. وبصعوبة بالغة ترنح راسبوتين خارجا إلى ساحة القصر حيث كان بفالوفيتش وبيرشيكفيتش يستعدان للمغادرة، فأطلق يرشيكفيتش النيران ثانية على راسبوتين المترنح، وضرباه بهراوة وقيداه قبل أن يلقيا بجسده في نهر نيفا. وعندما تم العثور على الجثة بعد يومين دل تشريحها الذي كشف عن وجود مياه في الرئتين أن راسبوتين كان ما زال حيا عندما ألقى به في النهر. وكانت نهاية راسبوتين علامة على بداية النهاية للقيصر نيقولا والإمبراطورة ألكساندرا. فبعد عشر أسابيع فقط من وفاته، أطاحت الثورة الروسية التي اندلعت عام آلف وتسعمائة وسبعة عشر بأخر جيل من سلالة رومانوي. وبعد مرور أقل من عامين قامت فرقة معزولة بإعدام القيصر نيقولا وعائلته بأكملها في سيبريا. وبعد حوالي قرن ما زال السؤال مطروحا، هل كان راسبوتين معجزة حقيقية، أم نصاب بارع؟ سواء كان فلاح غامض، أم شيطان في جسد إنسان، فما زال إرث راسبوتين الأسود موجودا حتى الآن.

هناك تعليق واحد: