***
***

الخميس، 19 يونيو 2014

أريحا تاريخ حي عشرة آلاف سنة من الحضارة

عرض  كتاب  أريحا تاريخ حي  عشرة آلاف سنة من الحضارة للدكتور الدكتور حمدان طه الوكيل
اعداد الباحث عباس نمر

أريحا عبر التاريخ

اشتهرت أريحا بكونها أقدم مدينة في العالم، وهي أيضاً أخفض بقعة على وجه الأرض، تقع على عمق 230 متراً تحت سطح البحر، ذكرت أريحا (أو ريحا باللغة الدارجة) في المصادر التاريخية والتوراتية القديمة، وقد ارتبط اسم تل السلطان بأريحا القديمة، كما اشتهرت المدينة بعدة أسماء: مدينة النخيل، جنة الله، مدينة القمر، مدينة العمالقة (الجبارين)، وعاصمة الغور، ومؤخرا، اكتشف اسم أريحا محفوراً على أحد الجدران من الألف الثاني قبل الميلاد .

الموقع

تقع أريحا في أخفض نقطة من وادي الأردن، على بعد عشرة كيلومترات غرب نهر الأردن، واثني عشر كيلومتراً شمال البحر الميت، وهي جزء مما يعرف بوادي الصدع العظيم (الشق الآسيوي الإفريقي)، والذي يبدو واضحا على سطح الأرض ويمتد من شمال سوريا إلى شرق إفريقيا، ويشكل وادي الأردن أعمق جزء فيه، وقاع وادي الأردن هو إلى حد كبير نتاج فترة البلايستوسين، وقد تشكلت أراضي الغور عبر سلسلة من الرواسب البحرية من بحر تيثس القديم . يعتبر وادي الصدع العظيم، الذي يتشكل من البحر الميت وموقع أريحا، جزءاً من خط صدع جيولوجي، منطقة غير مستقرة، وربما تمثل الذاكرة التوراتية الأسطورية عن دمار سدوم وعمورة، إيحاءً متأخراً للأحداث الجيولوجية التي وقعت في الماضي .

ينابيع أريحا
تتكون منطقة أريحا من سهول جافة، ترويها ثلاثة ينابيع رئيسية هي عين السلطان وعين الديوك وعين النويعمة، وإلى الجنوب الغربي من أريحا تجري مياه نبع وادي القلط، وهناك عين الفوار وعين الفارة التي تقع على بعد بضعة أميال غرب أريحا، إلى الجنوب من أريحا تجري المياه عبر وادي النويعمة، هذه التركيبة من التربة الغرينية والينابيع دائمة الجريان والمناخ الاستوائي جعلت من أريحا مكانا جذابا لاستقرار البشر .

مكانة أريحا

في الروايات الدينية والتاريخية، تراوحت مكانة أريحا ما بين كونها أرضاً مباركة إلى كونها أرض الكوارث، تاريخياً، تعتبر أريحا أقدم مدينة في العالم حيث شهدت نشوء المجتمعات المستقرة الأولى
التي اعتمدت على تدجين النباتات والحيوانات، وكانت مركزاً لثورة العصر الحجري الحديث في التاريخ البشري .

أول مدينة حضرية
في بداية الألف الثالث ق.م، تأسست أول مدينة حضرية على تل السلطان، وفي العصر البرونزي الوسيط، ازدهرت أريحا كمركز حضري كنعاني هام في فلسطين، وقد ارتبطت أريحا بسلسلة من القصص في الإنجيل، ومنها قصة سدوم وعمورة، وقصة استيلاء يوشع على أريحا، وقصة نبع أليشع، وأخرى غيرها .

منذ القدم وأريحا مشتى

منذ الفترة الفارسية وما بعدها، عرفت أريحا كمنتجع شتوي للحكام والأثرياء في فلسطين، ويبدو أنها كانت جزءاً من ممتلكات الحكومة في عهد الإسكندر الفاتح العظيم .

أريحا في فترة ميلاد المسيح

في الفترة الهلنستية وبداية الفترة الرومانية، شهدت منطقة أريحا مولد المسيحية وأحداث  ذات صلة ارتبطت بيوحنا المعمدان، ويسوع المسيح، والأسينيين، في القرن الأول بعد الميلاد، قدم المؤرخان بليني سترابو ويوسيفوس وصفا مفصلا لمدينة أريحا ومحيطها .

انطونيو وكليوبترا

مر عدد من الجنرالات الرومان عبر أريحا، ومنهم الجنرال السوري باتشيديس والجنرال بومبي، اللذان حصنا المدينة، وفي ظل حكم غابينيوس، حظيت أريحا بمنزلة إدارية كمركز للحكم، كما شهدت أريحا قصة الحب الشهيرة بين أنطونيو وكليوبترا، وفقاً ليوسيفوس، قدم أنطونيو بساتين البلسم في أريحا إلى كليوبترا، وقد استأجر منها هيرودس العظيم البساتين حتى استطاع استعادتها مرة أخرى.

مدينة الحدائق

كانت أريحا مقراً لإقامة الملك هيرودس، الذي أعاد بناءها كمدينة حدائق بمحاذاة ضفاف وادي القلط، وتضمنت مشاريعه التنموية بناء سلسلة من القصور البديعة، ومسرحاً وحلبة لسباق الخيل، بالإضافة إلى إنشاء نظام مائي يتألف من قنوات وجسور مائية.
كان وادي الأردن بأسره محمياً بسلسلة من القلاع التي أقيمت على رؤوس التلال المحيطة بالسهول بسبب أهميته الإستراتيجية، وبعد وفاة هيرودس، أصبحت أريحا من ممتلكات الإمبراطورية الرومانية، وقد أقام هيرودس قلعة على قمة تل العقبة، أطلق عليها اسم أمه، وعرفت بقلعة كيبروس.

المسيح عليه السلام ومروره من أريحا

خلال الفترة البيزنطية، ارتبط اسم أريحا بعدد من القصص المتعلقة بالمسيح، فقد مر في أريحا، وقام بشفاء رجلين كفيفين وألهم جامع الضرائب زكا العشّار للدخول في الدين الجديد، وارتبطت معجزات السيد المسيح بجبل قرنطل، وموقع المغطس وقصة السامري الصالح . منذ القرن الرابع الميلادي وما تلاه، أصبحت أريحا وجهة دينية رئيسية، العديد من الحجاج والرحالة وثقوا رحالتهم إلى المدينة، في العام 333 ميلادية، وصف الرحالة الفرنسي بوردو مدينة أريحا القديمة والحديثة، كما كتب الأسقف آركلف عن المدينة حوالي العام 700 م. ازدهرت أريحا خلال الفترة البيزنطية، وتظهر الأدلة على ذلك في المستوطنات البشرية والكنائس والأديرة، كما صورت أريحا في خريطة مادبا، وظهرت على الخريطة الكنيسة ومدينة النخيل، وتظهر المصادر التاريخية والأثرية الحياة المزدهرة خلال الفترة البيزنطية، كما أن المصادر الأدبية وروايات الرحالة والحجاج والنقوش تزودنا بمعلومات هامة عن كافة جوانب الحياة في الفترة البيزنطية .

ازدهار أريحا في الحكم الأموي

ذُكرت أريحا في القرآن الكريم، الذي أشار إليها بوصفها "مدينة الجبارين". خلال فترة الحكم الأموي ( 661 - 750 ) كانت أريحا جزءا من جند فلسطين، وقد ازدهرت خلال هذه الفترة، الدليل على هذا الازدهار يظهر جليا في القصر الأموي الذي يعود للقرن الثامن الميلادي في خربة المفجر، وتبعاً لبعض الكتابات يُنسب القصر للخليفة الأموي هشام بن عبد الملك ( 724 - 743 ) وخليفته الوليد الثاني ( 743 - 744 م). لم يكن ذلك القصر مكان الإقامة الرسمي للخليفة، بل كان يستخدم كمنتجع شتوي، دُمِّر القصر الرائع، الذي لم يكتمل بناؤه تماماً باستثناء الحمام، خلال هزة أرضية قوية ضربت منطقة أريحا حوالي العام 749 م، وأعيد استخدامه خلال الفترة العباسية والأيوبية، جرت تنقيبات في الموقع خلال الفترة ما بين عامي 1935 - 1946 م، تحت إشراف ديمتري برامكي وروبرت هاملتون، وأيضاً في العام 2006 م تحت إشراف الدكتور حمدان طه، وقام الأمويون بترميم نظام المياه وكذلك قاموا بإنشاء قنوات جديدة عبر وادي النويعمة لتزويد قصر هشام بالمياه ولري الحقول التابعة له والمحيطة به .

أريحا عاصمة الغور

ذُكرت أريحا ووادي الأردن في مصادر عدة من العصور الوسطى المبكرة والعربية والإفرنجية، وصف اليعقوبي أريحا بأنها عاصمة الغور، أما المقدس ، المتوفي عام 985 م، وابن حوقل، المتوفي عام 977 م، فقاما بوصف زراعة قصب السكر، وأشجار النخيل، وصباغ النيلة، والنباتات التي تستخدم في صناعة مستحضرات التجميل . وفي العام 1116 م، وردت إشارة عامة عن طاحونة للسكر في أريحا.

أريحا وصناعة السكر

في العصور الوسطى، كانت زراعة قصب السكر وصناعته واحدة من النشاطات الاقتصادية الرئيسية في أريحا، وقد عثر على عدد لا يستهان به من طواحين السكر في تنقيبات وادي الأردن، وهي اكتشافات تدعمها المصادر التاريخية والأدلة الأثرية، وكان موقع "طواحين السكر" يمثل منشأة صناعية لصناعة السكر محفوظة بصورة جيدة نسبياً، البقايا المكتشفة تتألف من قناة، ومكبس، ومبنى الطاحون، ومصفاة، وفرن، ومطبخ، ومستودع، للتخزين، جرى التنقيب في موقع طواحين السكر على موسمني في عام 2001 م، تحت إشراف د. حمدان طه، وفّرت التنقيبات معلومات جديدة عن صناعة السكر في وادي الأردن، وقد عثر على عدد لا يستهان به من القطع الأثرية من ضمنها أوعية للسكر، ومصابيح، وقطع معدنية وزجاجية، وعملة معدنية، ويعود تاريخ نظام الطاحونة إلى الفترات الصليبية، والأيوبية، والمملوكية. يعود اهتمام العلماء والباحثين بمدينة أريحا إلى بداية القرن الثامن عشر وذلك مع اكتشافات عالم النبات السويدي هاسلكفيست في العام 1751 م، وريتشارد بوكوك في العام 1754 م، ودبليو ويلسون، وجي ويلسون في العام 1847 م، وقد قام أولريخ غاسبرسيتزن بزيارة أريحا في العام 1808 م، كما زارها كل من سي.إربي، وجي.مانجلس في 1818 م، وزارها جي.بوكنغهام في العام 1821 م، وفي العام 1841 م، وصف إي.روبنسون وجي.سميث المواقع الأثرية وحددا موقع تل السلطان بأنه أريحا القديمة، لكن أول كشف أثري كبير قام به تشارلز وارن في العام 1864 م، وذلك لحساب صندوق استكشاف فلسطين، تلك التنقيبات الموجزة شكلت بداية الأبحاث الأثرية لتل السلطان، في "مسح غرب فلسطين" ( 1983 م)، عُرفت أريحا القديمة بتل السلطان، كما عُرفت أريحا اليونانية-الرومانية بمنطقة تلول أبو العلايق على ضفاف وادي القلط .
استفادت المدينة من مواردها الطبيعية والبشرية، وأرضها الخصبة، ومناخها الدافئ بالإضافة إلى موقعها الاستراتيجي قرب نهر الأردن، وشكلت الزراعة والسياحة الموارد الأساسية للمدينة .

الاستقرار المبكر

يمثل تل السلطان الذي يقع في أريحا أول بقعة للاستقرار والسكن في العالم ، ويقع في أخفض بقعة في وادي الأردن على بعد حوالي عشرة كيلومترات الى الشمال من البحر الميت و 250 متراً تحت سطح البحر ، ويعود تاريخه إلى العصر الحجري الحديث وهو أقدم مدينة في العالم وأكثرها انخفاضاً عن سطح البحر يبلغ ارتفاع التل الأثري حوالي 21 متراً ومساحته حوالي الفدان ، ويقع الموقع قرب نبع عين السلطان الدائم الجريان ووسط أراض خصبة من التربة الغرينية وهي تصلح لزراعة المحاصيل الصيفية الاستوائية والشتوية المعتدلة .  يعود تاريخ بداية الاستكشافات الى القرن التاسع عشر وذلك مع أول كشف أثري كبير قام به تشارلز وارن في العام 1864 م وذلك لحساب صندوق اكتشاف فلسطين ، أول تنقيبات واسعة النطاق أجرتها بعثة نمساوية  ألمانية في الفترة من 1907 إلى 1909 م وذلك تحت إشراف أي سيلين وسي واتزنجر. كشفت التنقيبات عن جزء من نظام تحصينات يعود إلى العصر البرونزي المبكر والوسيط ، الحملة الثالثة كانت بإشراف جيغارستانج وامتدت من العام 1930 إلى 1936 ، كانت التنقيبات أكثر ضبطاً لكن غارستانج أرخ خطأ التحصينات التي تعود إلى العصر البرونزي ، والتنقيبات الرابعة قامت بها كاثلين كينيون ما بني 1952 إل ى 1958 ، وأسفرت عن تحديد التاريخ الطبقي للموقع بصورة دقيقة ونشرت نتائج التنقيبات في خمسة مجلدات . في العام 1997 م بدأت دائرة الآثار والتراث الثقافي الفلسطينية مشروعا أثرياً طويل الم دى للتنقيب في تل السلطان بالتعاون مع جامعة (لاسابيزا) في روما ، وتحت ادارة الدكتور حمدان طه و لنيجرو ، نماركيتي ، وسلطت الحملة الضوء على التخطيط الحضري والتسلسل الطبقي والحضارة المادية للمدينة من العصر البرونزي عندما كانت أريحا واحدة من أوائل المراكز الحضرية في المشرق بأسره والعاصمة الكنعانية الرئيسية على الطريق الواصلة بين سوريا وفلسطين .

الفترة النطوفية ( 10500 - 8500 قبل الميلاد)
تعود أقدم الدلائل الأثرية التي عثر عليها في الموقع إلى الفترة النطوفية وكانت من الصوان والعظم هذه المواد كانت تعود إلى الصيادين النطوفيين الذين أقاموا قرب تل السلطان ما بين الألف العاشر والألف الثامن قبل الميلاد كما عثر على بقايا هياكل عظمية في الطبقة التي تعود الى العصر الحجري الوسيط .

فترة العصر الحجري الحديث ( 4600-8500 قبل الميلاد )

تم توثيق مستوطنة صغيرة تعود إلى العصر الحجري الحديث ، كانت تتكون من منازل مستديرة مبنية من اللبن الطيني ومحاطة بسور ما زال محفوظا في مقطع واحد ويصل ارتفاع أقصى نقطة فيه إلى 5.75 متراً ، والى القرب منه برج حجري دائري يمثل أقدم نموذج تحصين في العالم ويعتبر اقدم جزء لا يزال قائماً من الألف الثامن قبل الميلاد وهناك مجموعة متصلة من الأدراج التي تقود من المدينة الى ذلك البرج الضخم ومن المحتمل ان المزارعين الأوائل في تل السلطان استعملوا نظاماً بسيطاً للري في حقولهم ، وقد قدر عدد السكان في تلك القرية بحوالي 2000 نسمة  عثر على ست مجموعات من الجماجم من ضمنها 33 جمجمة تعود الى هذه الفترة وتظهر بداية ممارسة معالجة الجماجم بعد الموت .
تعرف هذه المرحلة بالعصر الحجري الحديث ما قبل الفخاري (أ) وتؤرخ من نهاية الألف التاسع قبل الميلاد وحتى النصف الثاني من الألف الثامن ، كان الموقع مهجوراً لفترة من الزمن وهذه الفترة تلتها مرحلة ثانية تعرف باسم العصر الحجري الحديث ما قبل الفخاري (ب) والتي تؤرخ ما بين النصف الثاني من الألف الثامن قبل الميلاد ومطلع الألف السادس قبل الميلاد .
يمكن تمييز البيوت العائدة لتلك الفترة من شكلها المستطيل وكانت تتألف من غرفة كبيرة وعدد من الغرف الصغيرة ، البيوت مبنية من اللبن المتطاول المزين برسومات على شكل هيكل عظمي لأسماك وكانت الأرضيات طينية مرصوصة كما أن القرية لم تكن مسورة وبني السور في مرحلة لاحقة وحددت بعض المعالم التي تدل على ممارسة طقوس دينية من ضمنها حوض من الجص ولكن أبرز الممارسات الطقوسية تتمثل بالجماجم المكسوة بالجص كانت تصنع فيه نماذج للوجوه ويتم تلوينها ، الجماجم المكتشفة كانت مدفونة تحت أرضيات الغرف في منطقة المعيشة .  هذه الممارسة جرى تفسيرها باعتبارها دليلاً على عبادة الأسلاف كما أسفرت التنقيبات عن بقايا مئات من الهياكل العظمية التي تعود للعصر الحجري الحديث ما قبل الفخاري والعصر الحجري الحديث ما بعد الفخاري وترتبط بالمنطقة السكنية ، بعد فترة هجر طويلة للموقع اعيد السكن في فترة العصر الحجري الحديث الفخاري ، عندما ك ان الناس يعيشون في حفر في الأرض في أريحا لم يعثر خلال التنقيبات في المنطقة السكنية على بقايا أي هياكل عظمية بشرية لا من العصر الحجري ما قبل الفخاري ولا من العصر الحجري الحديث ما بعد الفخاري ، عدم وجود المدافن ربما يوحي بأنه لم يكن يتم دفن الموتى رسمياً ، أو ربما كانوا يدفنون في مدافن خارجية، والمزارعون من تل السلطان كانوا أول من قام بإنتاج الفخار وذلك استجابة لحاجتهم المتزايدة للتخزين وتبعاً للزينة على الأواني الفخارية ويمكننا تمييز ثلاث مراحل من الإنتاج المبكر للأواني الفخارية .
تشكل فترة العصر الحجري في تل السلطان نقطة تحول في تاريخ البشرية والانتقال من نمط العيش القائم على الصيد والجمع في فترات ما قبل التاريخ الى نمط استقرار جديد قائم على تدجين النباتات والحيوانات في مجتمع مستقر ليس فيه ترحال ، فائض الإنتاج الزراعي أتاح للإنسان بعضاً من الوقت الذي كان فيما مضى مكرساً لتأمين الطعام وأتاح له فرصة بناء بيت وتزيينه ، الحضارة المادية لتلك الفترة تشير الى درجة من التعقيد الاجتماعي في مجتمع العصر الحجري الحديث .

العصر الحجري النحاسي (4600 - 3200 قبل الميلاد )

لم يعثر على دلائل سكن من العصر الحجري النحاسي في تل السلطان نفسه بل جاءت الأدلة على الأغلب من المدافن وقد كتبت كاثلين كينيون تقول (إن هناك فجوة ما بين العصر الحجري الفخاري والمرحلة التالية في اريحا ربما تغطي فترة الحضارة الغسولية ) ويمكن تحديد تلك الفجوة بمرحلة تآكل عادية وتوقف تام لمظاهر الحضارة المادية ، وخصوصاً صناعة الفخار كان الناس في تلك الفترة يدفنون موتاهم في قبور محفورة في الصخر وينتجون اشكالاً مختلفة من الفخار وقد أطلقت كينيون على هذه الحضارة فجر التمدن ، لأنها سبقت الحضارة المدنية للعصر البرونزي المبكر . في منطقة أريحا تم مسح وتوثيق بقايا مواقع مختلفة كانت تعود الى العصر النحاسي ، وفي موقع تلول أبو العاليق عثر على فخار يعود الى العصر الحجري النحاسي في تنقيبات قام بها وليام همورتون في العام 1951 وكان تاريخها يعود إلى أواخر العصر الحجري النحاسي وهذه الفترة توازي الفجوة في الترتيب الزمني بين الطبقات الثامنة والسابعة في تل السلطان ، في العام 1994 عثر على بقايا من العصر الحجري النحاسي في تنقيبات قام بها الدكتور حمدان طه في موقع صوانة الثنية إلى الغرب من تل المفجر وكانت البقايا تشتمل على حفر وصوامع وبقايا سطحية لجدران من اللبن . لكن الادلة الرئيسية على الاستيطان في العصر الحجري النحاسي في اريحا تم الكشف عنها مؤخرا في تل المفجر الذي يقع على بعد كيلومترين الى الشمال من مركز مدينة أريحا على بعد حوالي 200 متر الى الجنوب من القصر الأموي في خربة المفجر قام بالتنقيب في الموقع كل من ديمتري برامكي وروبرت هاملتون في ثلاثينيات وأربعينيات القرن العشرين ويمتد التل حوالي 150 متراً الى الشمال والجنوب على امتداد الضفة الشمالية لوادي النويعمة . هذا وتشير البقايا الفخارية المكونة من كسر فخارية تم العثور عليها إلى محدودية المهارات في صناعة الفخار في العصر الحجري النحاسي والأواني الفخارية في معظمها مصنوعة يدوياً كالزبادي والأكواب وجرار بفوهة واسعة وشربات وجرار ذات صنبور وأحواض وكؤوس وأوعية بقاعدة وعثر على رسم يمثل على الأغلب غزالاً على كسرة فخار تعود الى العصر الحجري النحاسي كما عثر على مجموعة من التماثيل الصغيرة مصنوعة من الطين المشوي في الموقع وكشف النقاب ايضاً عن أكثر من خمسة وثلاثين من تماثيل الحيوانات المصنوعة من الفخار . كما وعثر على كميات كبيرة من الأدوات الصوانية خلال الموسم الأول من التنقيبات في تل المفجر معظم المواد الحجرية مصنوعة من انواع مختلفة من الصوان باستثناء بعض الأدوات الصغيرة الدقيقة وقطعا من الحجارة الكبيرة المصنوعة من البازلت والحجر الجيري كما كشفت الحفريات عن عدد من الجعران وعثر على تشكيلة واسعة من اللقى الحجرية الصغيرة والكبيرة من ضمنها أحواض وزبديات بأحجام مختلفة . وعثر على عدد كبير من الادوات المصقولة المصنوعة من العظام في تل المفجر بما في ذلك المخارز والمثاقب والأزاميل وثمة أدلة على صناعات متخصصة من العصر الحجري النحاسي في تل المفجر ويتضح هذا من الخرز والأدوات المصنوعة من العظام وعثر على عدد من فلكات المغازل خلال هذه الموسم ولم يتم العثور على أي معادن ، وكشف النقاب عن كمية كبيرة من عظام الحيوانات محفوظة بحالة جيدة نسبياً وأشارت الدراسة الأولية لهذه العينات الكبيرة من العظام الى انواع مختلفة من الحيوانات خراف وماعز وماشية وخنازير وغزلان وكلاب وأصداف لرخويات وكان بالإمكان ملاحظة الأسلاف البرية للحيوانات المدجنة . الى جانب التنوع الغني من عظام الحيوانات عثر على بقايا أجنة بشرية وجمجمة شخص بالغ في المكان نفسه وعثر على جنين داخل جرة ما يشير الى ممارسة الدفن داخل الجرار تحت الأرضيات السكنية وهي عادة دفن معروفة في مواقع أخرى تعود للعصر الحجري النحاسي بما في ذلك تل يلات الغسول وتل أبو حامد  إن السمات الرئيسية للثقافة المادية للعصر الحجري النحاسي في تل المفجر هي الحفر والصوامع الدائرية التي تتألف من سلاسل متصلة من الحجارة والحصى وتتميز ايضاً بكم وفير من عظام الحيوانات وتماثيل صغيرة من الصلصال وفي بعض الأحيان جرار فخارية لدفن الأطفال الرضع .  تشير الحضارة المادية الى اقتصاد يعتمد في المقام الأول على الزراعة مقرونة بتربية الخراف والماعز والحيوانات الكبيرة وبينت التنقيبات أن تل المفجرهي المستوطنة الرئيسية في منطقة أريحا في العصر الحجري النحاسي دون أدنى شك ، الموسم الثاني من التنقيبات بداء في العام 2003 في حقلين رئيسين الأول الى الغرب من الطريق والثاني الى الشرق من الطريق قريباً من مركز الموقع .

أريحا في مرحلة التمدن
العصر البرونزي المبكر (3200 - 2300 قبل الميلاد)
تتميز هذه الفترة بظهور أول مجتمع مدني في العصر البرونزي المبكر وتتمثل في إقامة مراكز حضرية كبيرة تعتمد على الزراعة والتجارة مثل دول المدن الكنعانية ، وهي الفترة التي شهدت اختراع الكتابة في بلاد ما بين النهرين وفي مصر لكن لم يكن هناك أي دليل على العثور على كتابة في فلسطين خلال تلك الفترة وقد تطورت حضارة العصر البرونزي المبكر عن حضارة فجر التمدن في أريحا وقد تميزت هذه الحضارة بنظام التحصينات وبينت الثقافة المادية وجود اتصالات ثقافية مع مصر في العصر البرونزي المبكر الأول ويتضح هذا من خلال حجر أسود نحتت عليه بعض الخطوط عثر عليه في تل السلطان واشتملت قبور العصر البرونزي المبكر على بعض القطع الأثرية النحاسية ، أقدم البقايا من العصر البرونزي كشف عنها ف ي شمال المنطقة الوسطى من التل حيث تم الكشف عن سلسلة من مراحل البناء احتوت تلك الطبقات على قدر قليل من البقايا المعمارية وتمثلت طبقات العصر البرونزي المبكر الثاني والعصر البرونزي المبكر الثالث في أرضيات وصوامع من اللبن ، أما الاستقرار في العصر البرونزي الثالث فيستدل عليه بظهور فخار خربة الكرك وهو الفخار المحزز والمدهون باللونين الأحمر والأسود . خط سور مدينة العصر البرونزي نشاهده على الجانبين الشمالي والغربي من التل ، لم يكشف عن السور الشرقي للمدينة بعد لكن المنطقة المسورة من مدينة العصر البرونزي تغطي مساحة ثمانية هكتارات وهي على الأغلب أقل مساحة من مدينة العصر الحجري الحديث ما قبل الفخار والمقدرة بعشرة هكتارات .
خلال العصر البرونزي المبكر حوالي العام 3000 قبل الميلاد تأسست أول مدينة وكانت محصنة بأسوار مزدوجة من اللبن الطيني مع أبراج وأبنية متداخلة ملاصقة لها وتظهر ثلاثة أعمال إعادة بناء رئيسية في الفترة ما بين 3000 إلى 2350 قبل الميلاد ، تلك التحصينات المهيبة المبنية من اللبن الطيني لا تزال ظاهرة للعيان على الأرض ، وتبلغ أبعاد المدينة المستطيلة 250 مترا طولاً و 90 متراً عرضاً .  في العصر البرونزي المبكر الثاني تطورت أريحا لتصبح مركزاً حضرياً رئيسياً تم تمييز عدة مراحل بناء في منطقة التحصينات غرب التل وكشف عن عدد كبير من المقابر العامة من هذه الفترة وعثر في أحد القبور على أكثر من مئة جمجمة ، بالنسبة للعصر البرونزي المبكر الثاني والثالث ( 3000 - 2300 قبل الميلاد ) كشفت التنقيبات الجديدة عن حي سكني في الجزء الغربي من المدينة .

الفترة الانتقالية ما بين العصر البرونزي المبكر والوسيط ( 2300 - 2000- قبل الميلاد)

يمكن وصف المرحلة الانتقالية ما بين العصر البرونزي المبكر والعصر البرونزي الوسيط ، بأنها فترة سيطرت عليها جماعات الرعاة الرحل إذ لم يتم الكشف عن أي مبنى دائم وعزت كينيون التغيير في نهاية
العصر البرونزي إلى قدوم الأموريين وهي جماعات رعوية وقد استخدم تل السلطان كمكان للتخييم من دون أي بقايا معمارية ذات قيمة .

العصر البرونزي الوسيط ( 2000 - 1550- قبل الميلاد)
بعد فترة انتقالية تميزت بمساكن مؤقتة تطورت الحياة المدنية مجدداً في العصر البرونزي الوسيط الثاني وكانت استعادة الحياة الحضرية عملية بطيئة وتمثلت الحياة في هذه الفترة بنمط الاستيطان والتخطيط العمراني للمدينة والمباني العامة والتطورات التقنية وبقايا المقابر وكشفت التنقيبات عن جزء مهم من مدينة أريحا في العصر البرونزي الوسيط الثاني ( 1800 1550 قبل الميلاد) وفي القرن الثامن عشر قبل الميلاد شيدت المدينة نظام تحصينات ضخماً . يتألف نظام التحصينات من سور ضخم بني من الحجارة والمواد العازلة بني عليه سور سمكه متران .  تحتفظ قبور العصر البرونزي الوسيط في أريحا بشهادة فريدة عن نمط الحياة المحلية من خلال القطع الأثرية مثل الأوعية الفخارية والمقتنيات الشخصية والأثاث ، تتألف البقايا الأثرية التي عثر عليها في القبور من أوعية فخارية وأوعية خشبية ووسرير وكرسي وطاولات وسلال ومشط خشبي ووتد ذي عقدة وبعض الأشياء الذهبية ، واستخدمت أنواع مختلفة من الأخشاب المحلية بما في ذلك أخشاب أشجار الطرفاء ، والصفصاف والكرز البري والزعرور ، واستخدمت أوراق شجر النخيل لحياكة الأكياس والحصر ، وترك اللحم والشراب في القبر للموتى ، وعثر على فواكه في القبور تشمل الرمان والتمور والأعناب ، تعتبر فخاريات العصر البرونزي الوسيط الثاني من ضمن أجمل المشغولات الفلسطينية كلها وشهدت تلك الفترة اختراع الدولاب السريع الذي يستخدم في صناعة الفخار .

العصر البرونزي المتأخر (1550 - 1200 قبل الميلاد)

كانت المدينة شبه مهجورة في أواخر العصر البرونزي المتأخر ( القرن الرابع عشر قبل الميلاد) ويعتقد بأن التل لم يكن مأهولاً حتى القرن الرابع عشر قبل الميلاد ، والأدلة الأثرية من العصر البرونزي المتأخر في تل السلطان شحيحة للغاية .

العصر الحديدي والفترة الفارسية ( 1200 - 333 قبل الميلاد)

تنسب بعض القضايا الضئيلة للغاية للعصر الحديدي وفي الفترة الفارسية في العصر الحدي دي الثاني ( 900  700 قبل الميلاد) شيدت مبان ضخمة عند السفوح الشرقية قرب الينبوع ، عثر أيضاً على بعض المكتشفات الضئيلة مكونة من مقابض جرار مختومة من الفترة الفارسية ، وكان موقع تل السلطان قد هجر تماماً في نهاية الفترة الفارسية وتمثلت الفترات اللاحقة ببعض القبور الرومانية وفي منشآت مائية قرب عين السلطان .

مدينة الحدائق

أريحا في الفترات الهلنستية والرومانية ( 333 قبل الميلاد  - 324 م) بعد هجر تل السلطان بالكامل عند نهاية الفترة الفارسية ، انتقل مركز أريحا القديمة إلى تلول أبو العلايق في الفترة اليونانية  الرومانية . توسعت أريحا كمدينة بساتين على نطاق واسع على امتداد وادي القلط ، على بعد حوالي ستة كيلومترات جنوب تل السلطان ، أنشئت شبكة من قنوات المياه وقنوات جر  المياه حيث استغلت مياه الينابيع القريبة ، عين السلطان ، والنويعمة ، والديوك ، ووادي القلط وينابيع العوجا ، ينسب الموقع إلى أريحا اليونانية  الرومانية  التي ذكرها ووصفها مؤرخو الفترات الهلنستية والرومانية مثل سترابو ، وبيليني ، ويوسيفوس ، وكانت المنتجع الشتوي لعائلة هيرودس.
ووفقاً ليوسيفوس أعطى مارك انتوني بساتين البلسم في أريحا إلى كيلوباترا التي أستأجرها هيرودس منها إلى أن تمكن من استعادتها وكان كل من بومبي وفيسباسيان يعرضان البلسم في روم ا بعد سيطرتهما على فلسطين . كشفت التنقيبات اتساع حجم المدينة في الفترة الهلنستية المتأخرة والفترة الرومانية المبكرة ، وكشف عن قصور الفترة الهلنستية المتأخرة التي قام ببنائها جون هيكرانوس في التل الشمالي ، فقد بنى مجمعاً كاملاً فيما بعد إلى الشرق مع بركتي سباحة رائعتين ، وساحات مرصوفة وحدائق . في مرحلة البناء الرئيسية الأخيرة إلى الجنوب تم بناء فيلتين ( القصرين التوأمين ) حسب التصميم نفسه وأشتمل القصر الهلنستي على منشآت استحمام مختلفة ، وقد استبدل هذا القصر بثلاثة قصور متعاقبة بناها هيرودس العظيم وتم الكشف عن منطقة صناعية كبيرة يعود تاريخها إلى أواخر الفترة الهلنستية وبداية الفترة الرومانية في المنطقة الشمالية ، وعثر على سلسلة من المنشآت الصناعية في هذه المنطقة احتوت على برك ، وأفران ، وأرصفة للمشاة ، وقنوات تصريف ، ومبنى مربع الشكل لتخزين السوائل وتلك المنشآت ربما كانت جزءاً من عملية زراعة البلسم والكاكا التي وردت في العديد من المصادر التاريخية .

خربة قمران

يرتبط أحدى أهم الاكتشافات الأثرية في منطقة أريحا بخربة قمران ، ويقع هذا الموقع على الجانب الغربي من البحر الميت حوالي عشرين كيلومترا إلى الجنوب من أريحا ، على نتوء صخري في التربة الرسوبية المحاذية للبحر ، يحدها من الجنوب وادي قمران ووديان إلى الشمال والغرب ، وتقع قمران على بعد ميل واحد إلى الغرب من البحر الميت وقد عرف بعض الباحثين الموقع بأنه ( مدينة الملح ) المذكورة في الكتاب المقدس وكان مسكوناً بشكل رئيسي خلال الفترة اليونانية  الرومانية ( 150 قبل الميلاد  68 ميلادية ) ، يحتوي الموقع على سلسلة من المباني تشتمل على مرافق عامة ونظام مائي ، ومكتبة ومقبرة كبيرة ، أما مجتمع قمران فهو يتطابق بشكل عام مع جماعة (الأسينيين) وهي طائفة دينية متنسكة عاشت في عزلة في منطقة غرب البحر الميت .  الكشف الاستثنائي لموقع قمران حدث بالصدفة عندما اكتشف راع فلسطيني اسمه محمد الذيب في العام 1947 م مخطوطات البحر الميت في الكهف رقم واحد ، جرى التنقيب في الكهف عام 1949 م على يد بعثة مشتركة مكونة من دائرة الآثار الأردنية ومتحف الآثار الفلسطيني والمدرسة الإنجيلية الفرنسية للآثار في القدس وتمت اكتشافات مماثلة في العديد من الكهوف في الفترة من 1952 - 1956 م ويتكون الموقع من مجمع ضخم من المباني بما في ذلك مرافق عامة ونظام مائي متطور ومكتبة ومقبرة ضخمة وسلسلة من الكهوف على طول المنحدر ، وتتألف المخطوطات من نسخ من الكتاب المقدس والأدب الأبوكريفي وكتابات الطائفة بما في ذلك التعليقات ونظام حكم المجتمع ومخطوطة عن حرب أبناء النور ضد أبناء الظلام ووثيقة دمشق ، ومخطوطة تتكون من لفافتين من النحاس وجدت في الكهف رقم ثلاثة ويعود تاريخ هذه المخطوطات إلى ما بين القرن الثاني قبل الميلاد وعام 68 ميلادية لكن معظمها من القرن الأول قبل الميلاد.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق