***
***

الأربعاء، 1 أبريل، 2015

غلام أبي العيناء

 كان أبو العيناء  (محمد بن القاسم بن خلاد ) يعيش عيشة هانئة في البصرة ، ثم جال بخاطره أن يشترى عبدا فذهب إلى سوق النخاسين فوجد عجبا ؛ وجد غلاما يبدو عليه النباهة يساوى ثلاثمائة دينار وينادى عليه بثلاثين دينارا فقط. رآها فرصة لا تعوّض، فطمع في شراء العبد فاشتراه بثلاثين . وكان الرجل يبنى له دارا جديدة فى البصرة ،  فأعطى غلامه الشاب عشرين دينارا لكي ينفقها على العمال البنائين ، فغاب الغلام ، ثم فوجئ به يأتيه بعد أيام وقد أنفق من العشرين دينارا عشرة دنانير اشترى بها لنفسه ثيابا فاخرة ، وقبل أن يفيق محمد بن القاسم بن خلاد من دهشته وقبل أن ينطلق فى غضبه وثورته قال له العبد : يا مولاي لا تعجل على !!.. فان أهل المروءة مثلك لا يعيبون على غلمانهم إذا فعلوا ما يعود بالخير عليهم .. سكت الرجل وكظم غيظه وقال في نفسه حانقا : أنا اشتريت الأصمعي ولم أعلم .!! وأراد الرجل أن يتزوج سرا امرأة يحبها ، وكتم الأمر عن زوجته ابنة عمه وهى صاحبة المال والدار, فقال الرجل للغلام : أفيك خير؟ فقال: نعم.. فأطلعه على رغبته في الزواج بمن يحب ، وسأله أن يكتم الخبر عن زوجته، وتزوج وأعطى الغلام دينارا ليشترى به طعاما فيه نوع من السمك المعروف بالهازبى , فرجع الغلام وقد اشترى نوعا آخر من السمك اسمه مارماهى , فاغتاظ الرجل وقال له : أليس قد أمرتك أن تشترى هازبى ؟ فقال الغلام : بلى , ولكن قرأت أن أبقراط الحكيم يقول أن السمك الهازبى يصيب الآكل بالسوداء ويمدح السمك المارماهى .  فاشتد غضب الرجل وشتم الغلام قائلا : أنا لم أعلم أنى اشتريت الحكيم جالينوس.  وقام إليه فضربه عشر مقارع .  فلما فرغ من الضرب إذا بالغلام يأخذ المقرعة وينهال بها ضربا على سيده سبع مقارع ، ثم يقول له في هدوء : يا مولاي .. يقول الفقهاء أن تأديب الغلام بثلاث مقارع فقط , وقد زدت عليها سبعا فضربتك سبعا قصاصا حتى لا تقاسى العذاب يوم القيامة : !! فجن جنون الرجل فرماه بحديدة فشج رأسه .  فانطلق الغلام إلى الزوجة الأولى ابنة عم الرجل وقال لها : يا مولاتى , إن الدين النصيحة وأنا أعلمك أن مولاي تزوج وطلب منى كتمان الأمر عليك فلما قلت له لابد من تعريف مولاتى الخبر ضربني بالمقارع وشج رأسي  !... فثارت الزوجة ومنعت الرجل من دخول الدار وأمسكت يدها في النفقة عنه ، واستعر الخلاف بينهما إلى أن رضخ الرجل وطلق الزوجة الثانية فأعادته الزوجة إلى بيتها . عاد الرجل الى البيت ولكن أصبح للغلام فيه نفوذ ظاهر حتى كانت الزوجة تلقبه بالناصح , ولم يعد بوسع الرجل أن يتكلم معه , واشتد غيظه منه , فقال في نفسه : أعتقه وأستريح منه فلعله يمضى بوجهه عنى .. فلما أعتقه عاد إليه الغلام ولزم صحبته قائلا : الآن وجب حقك علىّ. أى سيخدمه متطوعا . واشتد كرب الرجل بصحبته وفكّر فى طريقة للتخلص منه فأغراه بالحج ، فوافق الغلام ، فقام الرجل وجهز له النفقة والزاد فسافر الغلام للحج , وتنفس الرجل الصعداء واستراح , ولكن راحته لم تطل , إذ فوجئ بالغلام يعود إليه بعد عشرين يوما ويقول له : قطع اللصوص الطريق علينا وفكرت فإذا الله تعالى يقول " ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا " وكنت غير مستطيع , وفكرت فإذا حقك على ّ أوجب من الحج فرجعت إليك !!  ولبث الرجل يفكر في طريقة أخرى يتخلص بها من ذلك الغلام الثقيل , فأغراه بأن يذهب للثغور يجاهد الروم , وأقنعه بذلك وجهز له النفقة والسلاح والفرس والزاد... فلما غاب عنه أسرع وباع كل ما يملك في البصرة ورحل عنها إلى بغداد خوفا من أن يرجع إليه ثانيا .

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق