***
***

الخميس، 26 يونيو 2014

الاسكندر المقدوني

يخلط بعض الناس بين الإسكندر المقدوني المعروف في التاريخ الغربي وبين ذي القرنين الذي قص الله تعالى خبره في القرآن الكريم. فالإسكندر المقدوني حكم اليونان قبل المسيح عليه السلام بثلاثة قرون تقريبا، وكان على الديانة الوثنية، ووزيره أرسطو الفيلسوف المشهور، وكان أرسطو كما هو معروف من ملاحدة الفلاسفة، على عكس المشهور عن أستاذيه سقراط وأفلاطون فإنهما كانا يؤمنان بوجود الله، وأما أرسطو فينفي وجود خالق لهذا الكون. أما ذو القرنين فكان قبل المقدوني بقرون، وكان مؤمنا ويغلب على الظن أنه حكم في آسياوأفريقيا، ويرى كثير من المؤرخين العرب أن ذا القرنين كان ملكا عربياً (انظر تاريخ ابن جرير الطبري وتاريخ ابن كثير).
 وُلد الإسكندر في بيلا، العاصمة القديمة لمقدونيا القديمة. ابن فيليبوس الثاني المقدوني ملك مقدونيا القديمة وابن الأميرة أوليمبياس أميرة إيبيروس. كان أرسطو معلمه الخاص. درّبه تدريبا شاملا في فن الخطابة والأدب وحفزه على الاهتمام بالعلوم والطب والفلسفة. في صيف عام 336 ق.م.اغتيل فيليبوس الثاني فاعتلى العرش ابنه الإسكندر، فوجد نفسه محاطًا بالأعداء ومهدد بالتمرد 
والعصيان من الخارج. فتخلص مباشرة من المتآمرين عليه وأعدائه في الداخل فحكم عليهم بالإعدام. كما فعل مع أمينتاس الرابع المقدوني
ثم انتقل إلى ثيساليا حيث حصل حلفاءه هناك على استقلالهم وسيطرتهم واستعادة الحكم في مقدونيا. وقبل نهاية صيف 336 ق.م. أعادَ تأسيس موقعه في اليونان وتم اختياره من قبل الكونغرس في كورينث قائدًا. كحاكم على جيش مقدونيا وقائدا للحملة ضد الفرس، وكما كان مخططا من قبل أبيه. فقد قام الإسكندر بحملة كانت ناجحة إلى نهر دانوب وفي عودته سحق في أسبوع واحد الذين كانوا يهددون أمته من الليرانس مرورا ثيفا (طيبة) اللتان تمردتا عليه حيث قام بتحطيم كل شيء فيها ما عدا المعابد وبيت الشعر اليوناني بيندار، وقام بتحويل السكان الناجون والذين كانوا حوالي 8.000 إلى العبودية. وإن سرعة الإسكندر في القضاء على ثيفا كانت بمثابة عبرة إلى الولايات اليونانية الأخرى التي سارعت إلى إعلان رضوخها على الفور. بدأ الإسكندر حربه ضد الفرس في ربيع عام 335 قبل الميلاد حيث عبر الدردنيل بجيش مكون من 35.000 مقدوني وضباط من القوات اليونانية بمن فيهم أنتيغونوس الأول وبطليموس الأول وكذلك سلوقس الأول، وعند نهر جرانيياس بالقرب من المدينة القديمة لطروادة، قابل جيشا من الفرس والمرتزقة اليونان الذين كانوا حوالي 40.000 وقد سحق الإسكندر الفرس وكما أشير في الكتابات القديمة خسر 110 رجلا فقط. وبعد هذه الحرب الضارية أصبح مسيطرا على كل ولايات آسيا الصغرى وأثناء عبوره لفريجيا يقال أنه قطع بسيفه العقدة الغوردية. وباستمرار تقدمه جنوبا، واجه الإسكندر جيش الفرس الأول الذي قاده الملك داريوش الثالث في أسوس في شمال شرق سوريا. ولم يكن معروفا كم عدد جيش داريوش والذي أحيانا يقدر بعدد يبلغ حوالي 500.000 رجل ولكن المؤرخون يعتبرون هذا العدد بأنه مبالغ فيه. ومعركة أسوس 
حدود دولة الاسكندر المقدوني
في عام 333 قبل الميلاد انتهت بنصر كبير للإسكندر وبهزيمة داريوش هزيمة نكراء، حيث ففرَ شمالاً تاركاُ أمه وزوجته وأولاده الذين عاملهم الإسكندر معاملة جيدة وقريبة لمعاملة الملوك. وبعد استيلاء الإسكندر على مناطق سورية الداخلية وحتى نهر الفرات واتجه نحو الساحل السوري غربا ومن سورية اتجه جنوبا وقدمت مدينة صور المحصنة بحريا مقاومة قوية وثابتة أمام الإسكندر إلا أن الإسكندر اقتحمها بعد حصار دام سبعة أشهر في سنة 332 قبل الميلاد ثم احتل غزة ثم أمن التحكم بخط الساحل الشرقي للبحر المتوسط. وفي عام 332 على رأس نهر النيل بنى مدينة سميت الإسكندرية (سميت على اسمه فيما بعد). وقورينا العاصمة القديمة لبرقة والتي خضعت فيما بعد هي الأخرى وهكذا يكون قد وسع حكمه إلى الإقليم القرطاجي. في ربيع عام 331 ق.م. قام الإسكندر بالحج إلى المعبد العظيم ووسيط الوحي آلهة الشمس آمون-رع المعروف بزيوس عند اليونان، حيث كان المصريين القدامى يؤمنون بأنهم أبناء إله الشمس آمون-رع وكذلك كان حال الإسكندر الأعظم بأن الحج الذي قام به آتى ثماره فنصبه الكهنة فرعونا على مصر وأحبه المصريون وأعلنوا له الطاعة والولاء واعتبروه واحدا منهم ونصبه الكهنة ابنًا لآمون وأصبح ابنًا لكبير الآلهة حيث لبس تاج آمون وشكله كرأس 
كبش ذو قرنين، فلقب بذلك "الإسكندر ذو القرنين".. بعدها قام بالعودة إلى الشرق مرة أخرى.  أعاد الإسكندر ترتيب قواته في صور بجيش مكون من 40.000 جندي مشاة و7.000 فارس عابرا نهري دجلة والفرات وقابل داريوش الثالث على رأس جيش بحوالي مليون رجل بحسب الكتابات القديمة. وقد استطاع التغلب على هذا الجيش وهزيمته هزيمة ساحقة في معركة جاوجاميلا (Gaugamela) في 1 أكتوبر عام 331 ق.م. فرَ داريوش مرة أخرى كما فعل في (معركة أسوس) ويقال بأنه ذبح في ما بعد على يد أحد خدمه. حوصرت مدينة بابل بعد معركة جاوجاميلا وكذلك مدينة سوسة حتى فتحت فيما بعد، وبعد ذلك وفي منتصف فصل الشتاء اتجه الإسكندر إلى برسيبوليس عاصمة الفرس. حيث قام بحرقها بأكملها انتقاما لما فعله الفرس في أثينا في عهد سابق. وبهذا الاجتياح الأخير الذي قام به الإسكندر أصبحت سيطرته تمتد إلى خلف الشواطئ الجنوبية لبحر الخزر متضمنًا أفغانستان وبلوشستان الحديثة وشمالاً من باختريا وسُغد وهي الآن غرب تركستان وكذلك تعرف بآسيا الوسطى. أخذت من الإسكندر ثلاث سنوات فقط من ربيع 333 إلى ربيع 330 ليفتح كل هذه المساحات الشاسعة. وبصدد إكمال غزوه على بقايا إمبراطورية الفرس التي كانت تحوي جزءًا من غرب الهند، عبر نهر إندوس في عام 326 قبل الميلاد وفاتحا بذلك البنجاب التي تقرب من نهر بياس وعند هذه النقطة ثار المقدونيين ضد الإسكندر ورفضوا الاستمرار معه فقام ببناء جيش آخر ثم أبحر إلى الخليج العربي ثم عاد برًا عبر صحراء ميديا بنقص كبير في المؤونة فخسر عددًا من قواته هناك. أمضى الإسكندر حوالي سنة وهو يعيد حساباته ويرسم مخططاته ويحصي المناطق التي سيطر عليها في منطقة الخليج العربي للاستعداد لاجتياح شبه الجزيرة العربية.  وصل الإسكندر إلى مدينة بابل في ربيع 323 ق.م في بلدة تدعى الأسكندرية على نهر الفرات في بلاد ما بين النهرين اي العراق حاليا, حيث قام الإسكندر بنصب معسكره بالقرب من نهر الفرات في الجهة الشرقية منه, لذا سميت هذه المنطقة باسمه بعد موته. حيث انه بعد مده وبالتحديد في شهر يونيو من عام 323 ق.م أصيب بحمى شديدة مات على أثرها تاركًا وراءه إمبراطورية عظيمة واسعة الأطراف. وهو على فراش الموت نطق بجملة غامضة بقي أثرها أعواما كثيرة حيث قال ” إلى الأقوى “ يعتقد أنها قادت إلى صراعات شديدة استمرت حوالي نصف قرن من الزمن. 
وفي رواية أخرى: أنه قد مات مسموما بسم دسه له طبيبه الخاص الذي يثق به ثقة عمياء وسقط مريضا حوالي أسبوعين وكان قد سلم الخاتم الخاص به لقائد جيشه بيرديكاس وهو على فراش المرض وطلب من الجنود زيارته في فراشه ويبدو أن المحيطين به في تلك الفترة كانوا متآمرين نظرا لتصرفاته وسلوكياته الغريبة حيث أنه في أواخر أيامه طلب من الإغريق تأليهه في الوقت الذي كان عنيفا مع الكثيرين بالإضافة إلي إكثاره في شرب الخمر. كل هذه العوامل جعلت البعض يتربصون به ومحاولتهم للفتك به. يعتقد الكثير من العلماء والمؤرخين أن الإسكندر بعد وفاته في بابل ببلاد الرافدين حصل تنازع بين قادته علي مكان دفنه حيث كان كل منهم يريد أن يدفنه في الولاية التي يحكمها بعد تقسيم الإمبراطورية التي أنشأها الإسكندر إلا أن حاكم مقدونيا بيرديكاس قام بمعركة قرب دمياط مع قوات بطليموس الأول للاستيلاء علي ناووس الإسكندر ونقله إلى مقدونيا ليدفن هناك، وهزم بيرديكاس في المعركة وقتل لاحقا إلا أن بطليموس الأول خشي وقتها أن يستمر في دفن الجثمان في سيوة إذ أنه من الممكن أن يأتي أحدهم عبر الصحراء ويسرق الجثة كما أن سيوة بعيدة عن العاصمة الإسكندرية فقرر بطليموس أن تدفن في الإسكندرية وكان الأمر ودفن الجثمان علي الطريقة المصرية ولم تذكر المراجع التاريخية كيف تم نقل الجثمان أو مكان دفنه بيد أنّ مصادر أخرى تفيد بوجود قبر الاسكندر في العراق مستدلين على وجود ضريح هناك يُعتقد أنه مدفون فيه.  كان الإسكندر من أعظم الجنرالات على مر العصور حيث وصف كتكتيكي وقائد قوات بارع وذلك دليل قدرته على فتح كل تلك المساحات الواسعة لفترة وجيزة. كان شجاعا وسخيا، وشديدا صلبًا عندما تتطلب السياسة منه ذلك. وكما ذكر في كتب التاريخ القديمة بأنه كان مدمن كحول فيقال أنه قتل أقرب أصدقائه كليتوس في حفلة شراب حيث أنه ندم على ذلك ندما عظيما على ما فعله بصديقه. وصفوه بأنه ذا حكمة بحسب ما يقوله المؤرخون بأنه كان يسعى لبناء عالم مبني على الأخوة بدمجه الشرق مع الغرب في إمبراطورية واحدة. فقد درب آلاف الشباب الفرس بمقدونيا وعينهم في جيشه، وتبنى بنفسه عادات وتقاليد الفرس وتزوج نساء شرقيات منهم روكسانا التي توفيت عام 311 ق.م. ابنة أوكسيراتس التي لها صلة قرابة مباشرة (لداريوش الثالث)، وشجع ضباط جيشه وجنوده على الزواج من نساء فارسيات. أصبحت اللغة اليونانية القديمة واسعة الانتشار ومسيطرة على لغات العالم

راسبوتين الراهب

ولد غريغوري يافيموفيتش راسبوتين في العاشر من يناير عام ألف وثمانمئة وتسعة وستين في قرية بوكروفسكوي الريفية الواقعة في سيبريا، بعيدا عن صالونات العائلة الملكية البراقة في سان بطرسبرغ. وفي طفولته، ظهرت لدى راسبوتين رؤى مستمرة عن القوى الإلهية وقدرات الشفاء الخارقة، إذ كان باستطاعته مثلا أن يبرئ حصانا بمجرد لمسه. لكنه اكتسب في فترة مراهقته اسم راسبوتين ( أي الفاجر) بسبب علاقاته الجنسية الفاضحة. وحين بلغ راسبوتين الثلاثين من عمره كان زوجا وأبا لأربعة أطفال، إلا أن ولعه بالشراب وسرقة الجياد كان دائما ما يتناقض وأصول الحياة العائلية التقليدية. وكان حادث اتهامه ذات مرة بسرقة حصان نقطة تحول في حياته، هرب على أثرها من القرية ولاذ بأحد الأديرة حيث اتخذ صفة الرهبانية التي لازمته بعد ذلك طيلة حياته. ومع تأثره بتجاربه الروحانية ، رحل راسبوتين عن قريته ليصبح مسافرا جوالا في أنحاء روسيا وخارجها. وخلال هذه الرحلات لم يغتسل أو يبدل ملابسة لفترات بلغت عدة أشهر، وكان يرتدي قيودا حديدية زادت من المعاناة. وقد شملت هذه الرحلات الدينية الشاقة رحلة إلى جبل اثوس باليونان وساعدته على اكتساب أنصار ذوي نفوذ 
مثل " هيرموجن، أسقف ساراتوي". وأثناء فترة تجواله، أصبح راسبوتين تحت تأثير طائفة متطرفة غير شرعية تعرف باسم خاليستي، وتنزع إلى الجلد والممارسات الجنسية. ولعل سمة الجمع الشاذ بين الورع والأفعال الجنسية غير الشرعية، وخاصة الفاضح منها، هي التي شكلت القاعدة التي ارتكزت عليها ممارسات راسبوتين الدينية فيما بعد. فلم تفارقه أبدا فكرة أن الفرد يمكن أن يصبح أكثر قربا من الله إذا ارتكب عمدا ذنبا شهوانيا ثم تاب توبة نصوح. ومثلما ذاع صيت راسبوتين، خلال جولاته التي استقطب فيها إعجاب الأرستقراطيين ورجال الدين، ازدادت أيضا قوة يصيرته. ففي إحدى المناسبات، ظهرت له السيدة مريم العذراء وحثته على الذهاب إلى سان بطرسبرغ لمساعدة العائلة الملكية. وفي عام آلف وتسعمائة واثنين كان أول تحرك لراسبوتين باتجاه العاصمة، حينما زار مدينة كازان الواقعة بالقرب من نهر فولجا. وبدأ سريعا في تكوين أكبر مجموعة من الحواريين والمعارف على مستوى الطبقات العليا. ولم يعوقه عن ذلك عيناه المغناطيسيتان، ولحيته الطويلة القذرة، وشخصيته المشبوهة. إذ نظر"مجتمع موسكو المهذب" إلى راسبوتين باعتباره "مرشدا روحيا" أو (رجلا مقدسا). وبحلول عام آلف وتسعمائة وثلاثة وصل إلى سان بطرسبرغ كلاما عن قوى صوفية قادمة من سيبريا ذات عيون وحشية مضيئة، ونظرة مجنونة. وبدا أن راسبوتين كان قد حدد موعدا لدخوله المجتمع الراقي في الوقت المناسب،. وقد ساهم في ذلك أن الطبقة الأرستقراطية كانت مولعة بمسائل السحر والتنجيم، و كانت عمليات تحضير الأرواح أمرا مألوفا. وفي عام آلف وتسعمائة وخمسة قابل راسبوتين عالم لاهوت كان يعمل رئيسا لأكاديمية دينية وكاهن اعتراف للإمبراطورة، إلكسندرا فيودوروفونا. وقدم للبلاط من خلال تزكية مسئولي الكنيسة العليا وراهبتان سوداوتان الشعر – كانتا تعرفان باسم الغرابان- كانتا فعالتان بإمداد البلاط بالصوفيين. وكان للأسرة الملكية الروسية في الماضي تقليد استقبال الرجال المقدسين من أجل مناشدة تدخلهم بعدة طرق ، خاصة تلك التي تؤمن مولد ذكر يرث عرش روسيا. سجل القيصر نيقولا الثاني في مذكراته اللقاء الأول براسبوتين في الرابع عشر من نوفمبر عام آلف وتسعمائة وخمسة، قائلا "تعرفنا على غريغوري، رجل الرب، من أبراشية توبولساك". وبنجاحه المعهود مع النساء، ترك راسبوتين انطباعا عميقا لدى الإمبراطورة ألكسندرا فيوديوروفونا. إذ اقتنعت تماما بقدراته حين استطاع بإعجاز أن يخفف من المعاناة والنزيف الذي أصاب أليكسيس نيكوليافبتش، وريث عرش روسيا المريض بسيلان الدم. ولم يمضي وقت طويل منذ أثبت راسبوتين قوته الخارقة للأكسندرا، حتى أصبح مستشارها الشخصي المؤتمن على أسرارها، يزورها في القصر في موعد أسبوعي محدد. وبذيوع شهرة راسبوتين، نجح في جذب المزيد من الأنصار من جميع الطوائف الاجتماعية. وقد تطوع هؤلاء " البلهاء" كما كان يطلق عليهم "لارتكاب الخطيئة من أجل التطهر من آثامهم" مع رجل بدوا عاجزين أمام جاذبيته. يزغ نجم الراهب راسبوتين في سان بطرسبرغ، وبالمثل زاد عدد أعدائه. إذ رآه كثيرون خارج حدود البلاط يحيا حياة السكر والعربدة، وغالبا ما يكون بصحبة العاهرات. وحين علم مسؤولون سياسيون كبار بهذه الشائعات، كلفوا شرطة سرية بتعقبه. وكان اثنين من أنصار راسبوتين السابقين هما راهب يميني متعصب يدعى ليودور، وهيرموجان أسقف ساراتوف، على اقتناع تام بأن راسبوتين ما هو إلا تجسيدا للشيطان. وفي عام آلف وتسعمائة وإحدى عشر استدرجاه إلى طابق سفلي حيث اتهماه باستخدام قوى الشيطان للقيام بمعجزاته وضرباه بصليب. وأبلغ راسبوتين الإمبراطورة بالواقعة وادعى أنهما حاولا قتله، ومن ثم تم نفي الرجلين. وفي السابع والعشرين من يونيو عام آلف وتسعمائة وأربعة عشر عاد راسبوتين إلى قريته في سيبريا. وفي اليوم التالي تلقى برقية، وبينما كان في طريقه لإرسال الرد هاجمته عاهرة سابقة مشوهة مجدوعة الأنف، تدعى شيونيا جاسيايا، بوحشية مستخدمة سكينا، دفعها ليودور لقتل راسبوتين. وبينما كان راسبوتين يتعافى في المستشفى من الطعنات التي أوصى بها ليودور، كان القيصر نيقولا يحشد قواته استعدادا للحرب العالمية الأولى، التي جلبت كارثة على وطنه، حيث فقد أكثر من أربع ملايين روسي أرواحهم. وبالعودة إلى سان بطرسبرغ ومع غياب القيصر، استطاع راسبوتين اكتساب المزيد والمزيد من القوى السياسية، وساهم في تعيين وطرد الوزراء. وبنفوذه الطاغي على قرارات القيصر السياسية، زاد اللوم الموجه للراهب السيبيري على المشاكل التي عانت منها البلاد، حتى أن مدينة سان بطرسبرغ أصبحت تعرف باسم " مدينة إبليس". وفي ديسمبر عام آلف وتسعمائة وستة عشر كتب راسبوتين خطابا للقيصر يتنبأ فيه بقتله. وعن قتلته المحتملين، كتب يقول" إذا قتلني أقاربك فلن يبقى أي فرد من عائلتك حيا لأكثر من عامين، وتستطيع أن تقول أي من أولادك أو أقاربك، فسوف يقتلهم الشعب الروسي.. سأُقتل، لم يعد لي وجود في هذه الحياة. صلي أرجوك، صلي، وكن قويا، وفكر في عائلتك المصونة". وبعد ثلاثة وعشرين يوم فقط، قتل اثنان من أقارب القيصر نيقولا الثاني راسبوتين. وبعد مرور تسعة عشر شهرا على مقتله، أعدم قيصر روسيا وعائلته بأيدي الثوار البلشفيين. فقد تزامن مع نبوءته أن حضر راسبوتين لمقابلة الأمير فيليكس يوسوبوي، الزوج لإيرينا ابنة أخ القيصر. وأراد يوسوبوي قتل راسبوتين، شأنه شأن ابنا عم القيصر الغراندوق ديميرتي بافالويتش، والسياسي فلاديمير بيرشيكفيتش. وتآمر الثلاثة معا على قتل راسبوتين والحفاظ على سلالة العائلة المالكة. وفي ليلة السادس عشر من ديسمبر عام آلف وتسعمائة وستة عشر دعا يوسوبوي راسبوتين إلى قصر مويكا بحجة أن إيرينا التي يشاع عنها أنها أجمل امرأة في سان بطرسبرغ تريد مقابلته. وبينما كان ينتظر ظهورها، قدم رجل لراسبوتين كعك وخمر مدسوس بهما سما مميتا. وقد أصيب المتآمر بالهلع لما بدا من حصانة راسبوتين ضد السم، ولم يستطع يوسوبوي السيطرة على نفسه 
فنزع مسدسه وأطلق النيران على راسبوتين. وبصعوبة بالغة ترنح راسبوتين خارجا إلى ساحة القصر حيث كان بفالوفيتش وبيرشيكفيتش يستعدان للمغادرة، فأطلق يرشيكفيتش النيران ثانية على راسبوتين المترنح، وضرباه بهراوة وقيداه قبل أن يلقيا بجسده في نهر نيفا. وعندما تم العثور على الجثة بعد يومين دل تشريحها الذي كشف عن وجود مياه في الرئتين أن راسبوتين كان ما زال حيا عندما ألقى به في النهر. وكانت نهاية راسبوتين علامة على بداية النهاية للقيصر نيقولا والإمبراطورة ألكساندرا. فبعد عشر أسابيع فقط من وفاته، أطاحت الثورة الروسية التي اندلعت عام آلف وتسعمائة وسبعة عشر بأخر جيل من سلالة رومانوي. وبعد مرور أقل من عامين قامت فرقة معزولة بإعدام القيصر نيقولا وعائلته بأكملها في سيبريا. وبعد حوالي قرن ما زال السؤال مطروحا، هل كان راسبوتين معجزة حقيقية، أم نصاب بارع؟ سواء كان فلاح غامض، أم شيطان في جسد إنسان، فما زال إرث راسبوتين الأسود موجودا حتى الآن.

الأربعاء، 25 يونيو 2014

أسطورة بروسيوس

 تقول الأسطورة الإغريقية إن  بروسيوس البطل المغوار كان واحداً من هؤلاء الأبطال الذين تزخر بهم الأساطير الإغريقية ، شديد الوسامة ، شديد البأس .. وهو كالعادة ابن زيوس من امرأة بشرية.  بينما كان أخوت بروسيوس  مشغولون بأعمالهم : هرقل  مشغول بقتل الهيدرا و أطلس  منهمك في رفع الكرة الأرضية  و برومثيوس  معلق بين الجبال يتلقى عقابه الأبدي  و جاسون  يبحث عن الفروة الذهبية  كانت هناك مهمة أكثر تعقيداً تنتظر بروسيوس. كانت  كاسيوبيا  الحسناءالمغرورة قد بالغت في غرورها ووقاحتها إلى درجة أثارت حنق سادة الأوليمب. لهذا سلطوا على جزيرتها الفيضانات والزلازل ..ثم جاءت الطامة الكبرى حين أرسلوا للجزيرة تنيناً مرعباً اسمه الكراكون ، وكان هذا التنين يطلب – كالعادة – أن يقدموا له قرابين بشريه وإلا أغرق الجزيرة بما عليها وهكذا وجدت كاسيوبيا نفسها مرغمة على تقديم ابنتها الجميلة أندروميدا لإشباع شهية التنين الشره وهكذا كانت أندروميدا الضحية القادمة مالم يحدث شيء ما
وفي هذه اللحظة يصل بروسيوس إلى الجزيرة ويقع في حب الفتاة المختارة كقربان فيصمم على قتل الوحش لإنقاذ فتاته ولكن كيف ؟!
هناك طريقة واحدة فقط أفظع من التنين نفسه إنه رأس ميدوسا. إن ميدوسا وأختيها هن أشنع من ذكر في الأساطير اليونانية من مخلوقات ، ويسمونهم الجرجونات الثلاث. لقد كانت ميدوسا وأختاها فتيات طبيعيات جداً حتى غضب عليهن زيوس فأحالهن إلى
أولاً : تحولت الأيدي إلى نحاس
ثانياً : إزددن بشاعة وصار لساهن مشقوق كلسان الأفاعي
ثالثاُ : تحول شعرهن إلى ثعابين ذات فحيح  ولدغتها قاتلة
رابعاً : صارت نظرتهن كافية لأن تحول من تلتقي عيناه بأعينهن إلى حجر
خامساً : نفين إلى جزيرة في البحر المتوسط لم تحددها الأسطورة حيث يعشن في الكهوف. وسط عشرات من التماثيل الحجرية لأولئك 
البحارة لتعساء الذين ألقى بهم حظهم العاثر على شاطيء تلك الجزيرة
إنه عقاب قاسٍ ولكنه ليس أسوء عقاب في الأساطير الإغريقية والآن على بروسيوس أن يقطع رأس ميدوسا ولكن كيف ؟ كيف يمكن مواجهة مخلوق بهذه الصفات ؟ دعك من السؤال الأهم .. كيف تقتل مخلوقاً من دون أن تراه؟! لكن بروسيوس مثله مثل هرقل وثيذيوس  بطل إغريقي أصيل يبحث عن المتاعب أينما وجدت ويحمل قدره على كفه ولا يملك الاختيار لهذا يروق كثيراً لسادة الأوليمب ولهذا تلقى زيارة من هرمز  يحمل له بعض الهدايا الخوذة التي تخفي من يرتديها والسيف الذي لا يضرب إلا ويصيب هدفه ثم الدرع البراق الشبيه بالمرآة وينطلق برسيوس مع رفاقه في البحر قاصدين جزيرة الجرجونات الثلاث . دخل بروسيوس  كهف ميدوسا حوله عشرات من التماثيل الشنيعة لبحارة ماتوا قبل أن يفهموا ما لذي قتلهم.  دخل  بروسيوس ومن معه في حذر باحثين عن ضالتهم ومن ثم تصحو ميدوسا من نومها وتفح الثعابين في شعرها  فيخفي الرجال وجوههم خلف الدروع وتتقدم ميدوسا نحو أول الرجال فيتعثر وتلتقي عينيه بعينيها ويتحول لحمه إلى حجر وهنا توجد نهايتان للأسطورة : الأولى تقول أن ميدوسا رأت انعكاس وجهها في درع  بروسيوس وتحولت إلى حجر والثانية تقول أنها تقدمت نحو  بروسيوس الذي استجمع شجاعته وحاسة المكان عنده ليطير رقبتها بضربة واحدة ثم يبادر بالفرارقبل أن تصحوا أختاها. المهم أن  بروسيوس  قد قتلها دون أن يمس شقيتيها وعاد بالرأس في كيس ليظهره في اللحظة المناسبة أمام التنين قبل أن يبتلع حبيبته. الآن حق لبروسيوس أن يتزوج ويستريح ويهنأ بالاً.  ولكن ماذا حدث للرأس؟ يقال أن بروسيوس ألقى به في البحر وأسطورة أخرىتقول أنه أهداه لحيرا زوجة زيوس للتخلص به من أعدائها وثمة حكايات تتجاهل الأمر برمته ولكن السؤال الثاني ظل – وسيظل – من دون إجابة .. ماذا حدث للشقيقتين ؟

ابن الهيثم

هو أبو علي الحسن بن الهيثم سنة (354ه= 965م)، ولد في البصرة وبها نشأ وتعلم، ولا يعرف شيء عن نشأته الأولى سوى أنه عاش في فترة مزدهرة، ظهر فيها أساطين العلم في الفلسفة والطب والكيمياء والرياضيات والفلك، فجذبته هذه العلوم فأقبل عليها بهمة لا تعرف الكلل وعزيمة لا يتطرق إليها وهن، فقرأ ما وقع تحت يديه من كتب المتقدمين والمتأخرين، ولم يكتفِ بالاطلاع عليها والقراءة فيها، وإنما عني بتخليصها ووضع مذكرات ورسائل في موضوعات تلك العلوم وظل مشتغلا بهذه العلوم، وبالتصنيف فيها فترة طويلة حتى ذاعت شهرته، وسمع بها الخليفة الفاطمي الحاكم بأمر الله، فتاقت نفسه إلى الاستعانة به، وزاد من رغبته ما نمي إليه ما يقوله ابن الهيثم: "لو كنت بمصر لعملت في نيلها عملا يحصل به النفع في كل حالة من حالاته من زيادة ونقص"، وكان ابن الهيثم في هذه الفترة قد تجاوز الستين من عمره، اشتهر في العالم الإسلامي باعتباره عالمًا في الهندسة له فيها آراء واجتهادات. رغّب الحاكم إلى ابن الهيثم الحضور إلى مصر والاستقرار فيها، فلما وصل أكرمه، وطلب منه تنفيذ ما قاله بخصوص النيل، فذهب الحسن إلى أسوان ومعه جماعة من الصناع المحترفين في أعمال البناء ليستعين بهم على تنفيذ فكرته التي خطرت له، غير أنه لما عاين الموقع الذي اختاره لتنفيذ مشروعه وجده لا يصلح مع ما فكر فيه، وأن تنفيذه يكاد يكون مستحيلا، فبناء جسم على النيل في ذلك الوقت تفوق إمكانات عصره وفوق طاقة رجاله، فعاد الحسن بن الهيثم خجلا إلى القاهرة، واعتذر للخليفة الحاكم، فتظاهر بقبول عذره، وولاه بعض الدواوين، فتولاها ابن الهيثم رهبة لا رغبة، ولو أنصف الحاكم لجعله في زمرة من جمعهم من العلماء في دار الحكمة ولصرفه عن الوظيفة، فما كان لمثله أن يصلح لهذا العمل، وهو الذي اعتاد حياة
البحث والدراسة. غير أن توليه هذا المنصب لم يكن ليجعله في مأمن من نزوات الحاكم الطائشة، وهو متقلب المزاج، سريع البطش والعقاب، وخشي ابن الهيثم من هذه التقلبات، وفي الوقت نفسه لم يكن قادرًا على التخلي عن عمله والانسحاب منه؛ خوفًا من غدر الحاكم بأمر الله، فلم يجد وسيلة للتخلص مما فيه إلا ادعاء الجنون وإظهار البله والعته، فلما بلغ الحاكم ذلك عزله عن منصبه وصادر أمواله، وأمر بحبسه في منزله، وجعل عليه من يخدمه، وظل العالم النابه على هذه الحالة التعسة حتى تُوفي الحاكم بأمر الله، فعاد إلى الظهور والاشتغال بالعلم، واستوطن دارًا بالقرب من الجامع الأزهر، وأقام بالقاهرة مشتغلا بالعلم والتصنيف ونسخ الكتب القديمة حتى توفي سنة (430ه= 1038م) تقريبًا. يعترف المؤرخون الغربيون بأهمية ابن الهيثم في تطوير علم البصريات، فأرنولد في كتاب " تراث الإسلام"، قال >إن علم البصريات وصل إلى الأوج بظهور ابن الهيثم<، أما سارطون فقال : >إن ابن الهيثم أعظم عالم ظهر عند المسلمين في علم الطبيعة، بل أعظم علماء الطبيعة في القرون الوسطى، ومن أعظم علماء البصريات القليلين المشهورين في كل زمن، وأنه كان أيضاً فلكياً، ورياضياً، وطبيباً<. أما دائرة المعارف البريطانية، فقد وصفته بأنه رائد علم البصريات بعد بطليموس. وابن الهيثم هو أول من قال بأن العدسة المحدبة ترى الأشياء أكبر مما هي عليه. وأول من شرح تركيب العين ووضح أجزاءها بالرسوم وأعطاها أسماء أخذها عنه الغربيون وترجموها إلى لغاتهم، ما زالت مستعملة حتى الآن. ومن ذلك مثلاً الشبكية Retina، والقرنية (Cornea)، والسائل الزجاجي (Viteous Humour، والسائل المائي( (Aqueous Humour). كما أنه ترك بحوثاً في تكبير العدسات مهدت لاستعمال العدسات في إصلاح عيوب العين. وتوصل ابن الهيثم إلى أن الرؤية تنشأ من انبعاث الأشعة من الجسم إلى العين التي تخترقها الأشعة، فترسم على الشبكية وينتقل الأثر من الشبكية إلى الدماغ بواسطة عصب الرؤية، فتتكون
الصورة المرئية للجسم. وبذلك أبطل ابن الهيثم النظرية اليونانية لكل من أقليدس وبطليموس، التي كانت تقول بأن الرؤية تحصل من انبعاث شعاع ضوئي من العين إلى الجسم المرئي. كما بحث في الضوء والألوان والانعكاسات الضوئية على بعض التجارب في قياس الزوايا المحدثة والانعكاسية. ويعدّه بعض الباحثين رائد علم الضوء. كان ابن الهيثم رياضياً بارعاً، فقد طبق الهندسة والمعادلات والأرقام في حل المسائل الفلكية. كما حل معادلات تكعيبية وأعطى قوانين صحيحة لمساحات الكرة، والهرم، والأسطوانة المائلة، والقطاع الدائر، والقطعة الدائرية. اهتم ابن الهيثم بالفلك، وكتب فيه عدداً من الكتب وقام بعدد من الأرصاد. ومن أهم إسهاماته في علم الفلك : توصله إلى طريقة جديدة لتحديد ارتفاع القطب، فقد وضع نظرية عن تحركات الكواكب ؛ ولايزال أثر هذه النظرية قائماً حتى الآن، حيث توجد في ضواحي فينا بالنمسا طاولة صنعت بألمانيا سنة 1428 وعليها رسم لحركات كواكب سيارة حسب نظرية ابن الهيثم. واكتشف ابن الهيثم أن كل الأجسام السماوية، بما فيها النجوم الثابتة، لها أشعة خاصة ترسلها، ما عدا القمر الذي يأخذ نوره من الشمس.
ترك ابن الهيثم تراثاً علميا غنياً في مختلف العلوم، ومن أهم ما ألفه :
كتاب المناظر : يشتمل الكتاب على بحوث في الضوء، وتشريح العين، والرؤية. وقد أحدث الكتاب انقلاباً في علم البصريات، وكان له أثر كبير في معارف الغربيين (روجر بيكون و كيبلر)، وظلوا يعتمدون عليه لعدة قرون، إذ تمت ترجمته إلى اللاتينية مرات عديدة في القرون الوسطى. ويشتمل الكتاب على سبع مقالات، حقق منها عبد الحميد صبرة المقالة الأولى والثالثة ونشرهما في كتاب سنة 1983 بالكويت. كما أن الدكتور رشدي راشد حقق المقالة السابعة في كتابه "علم الهندسة والمناظر في القرن الرابع الهجري"، المطبوع في بيروت سنة 1996. وتوجد مخطوطات كاملة من الكتاب أو لبعض مقالاته، في العديد من المكتبات، خاصة باستانبول بتركيا.
حل شكوك أقليدس
مقالة الشكوك على بطليموس
كتاب شرح أصول إقليدس في الهندسة والعدد
كتاب الجامع في أصول الحساب
كتاب في تحليل المسائل الهندسية
 ويذكر أن ابن الهيثم صنَّف ثمانين كتاباً ورسالة في الفلك شرح فيها سير الكواكب، والقمر، والأجرام السماوية، وأبعادها. وقد كان لترجمة بعض كتب ابن الهيثم إلى اللاتينية، تأثير كبير على علماء الغرب من أمثال كبلر، وفرنسيس بيكون. ويؤكد مصطفى نظيف أن ابن الهيثم سبق"فرنسيس بيكون" في وضع المنهج التجريبي القائم على المشاهدة والتجربة والاستقراء. كما يقول عباس محمود العقاد في كتابه "أثر العرب في الحضارة الأوربية" إن ترجمة كتب ابن الهيثم كان عليها معول الأوربيين اللاحقين جميعاً في البصريات.
عني كمال الدين الفارسي ببحوث ابن الهيثم في البصريات ودرسها دراسة وافية وألف في ذلك كتابه المعروف "تنقيح المناظر لذوي الأبصار والبصائر"، وعن طريق هذا الكتاب عرفت أوروبا الكثير عن ابن الهيثم وأعماله وجهوده في علم الضوء، حيث نشر هذا الكتاب مترجمًا في مدينة بال بسويسرا سنة (980ه= 1572)، وإن كان قد سبق نشره قبل اختراع الطباعة من قبل "جيرار دي كريمونا" أشهر المترجمين في إسبانيا، الذي اهتم بإنشاء أضخم مجموعة فلكية سنة (676ه= 1277م) عن العلماء العرب، وهذه الكتب استفادت منها إسبانيا والبرتغال في رحلاتهما البحرية في المحيط الأطلنطي بفضل الأزياج الفلكية (الجداول الفلكية) والمعلومات الرياضية التي خلفها العلماء العرب. وعن طريق هذه الترجمات لأعمال ابن الهيثم تأثر روجر بيكون وجون بيكام وفيتلو في بحوثهم، فكتاب جون بكان الموسوم بالمنظور ليس إلا اقتباسًا ناقصًا من كتاب ابن الهيثم في البصريات، وأما كتاب فيتلو الذي ألفه سنة (669ه= 1270م) فمأخوذ في قسم كبير منه عن ابن الهيثم، ولا يتجاوز النتائج التي وصل إليها.

الاثنين، 23 يونيو 2014

صلاح الدين الأيوبي

هو أبو المظفر يوسف بن أيوب بن شاذي، الملقب بالملك الناصر صلاح الدين. اتفق أهل التاريخ على أن أباه وأهله من "دوين"، وهي بلدة في آخر أذربيجان، وأنهم أكراد، وكان شاذي -جد صلاح الدين- قد أخذ ولديه "أسد الدين شيركوه"، و"نجم الدين أيوب"، وخرج بهما إلى بغداد، ومن هناك نزلوا تكريت. ولد صلاح الدين سنة 532هـ بقلعة تكريت في الليلة التي أخرجوا منها، فتشاءموا به، وتطيروا منه، فقال بعضهم: "لعل فيه الخير، وما تعلمون". ولم يزل صلاح الدين تحت كنف أبيه حتى ترعرع، ولما ملك نور الدين محمود دمشق لازم نجم الدين أيوب خدمته، وكذلك ولده صلاح الدين. وكانت مخايل السعادة عليه لائحة، والنجابة تقدمه من حالة إلى حالة، ونور الدين يؤثره ويقدمه، ومنه تعلم صلاح الدين طرائق الخير، وفعل المعروف والاجتهاد في أمور الجهاد.  في 558هـ استنجد الوزير شاور العبيدي -"الفاطمي كما يسمى"- بنور الدين محمود على خصمه الوزير "ضرغام بن عامر"، فأرسل نور الدين الأمير أسد الدين شيركوه ومعه صلاح الدين إلى مصر، وكان صلاح الدين كارها لهذا الخروج. ولما أعادوا الأمر لشاور، ما لبث أن غدر بهم   واستنجد بالفرنجة الصليبيين فصالح أسد الدين أهل مصر. ثم ما لبث الفرنجة أن أغاروا على مصر مرة أخرى ناكثين العهود مع المصريين، فتوجه إليهم أسد الدين وصلاح الدين فرجع الصليبيين على أعقابهم خاسرين، ثم قتل أسد الدين الوزير شاور؛ لغدره وخيانته، ولأنه لا استقرار لمصر طالما هذا الوزير الخائن موجود فيها، وصار أسد الدين وزير مصر إلى أن توفي سنة 564هـ فصار الأمر من بعده لصلاح الدين فصار وزير مصر. فبذل الأموال وملك قلوب الرجال، وهانت عنده الدنيا، فملكها وشكر نعمة الله عليه، وأعرض عن أسباب اللهو، وتقمص بقميص الجد والاجتهاد استعداداً لمواجهات 
مستمرة مع الصليبيين من جهة، وأعدائه من الفاطميين من جهة أخرى. ولما علم الإفرنج استقرار الأمر لصلاح الدين أجمعوا وجمعوا جيوشهم، وقصدوا "دمياط"، فنازلهم صلاح الدين فهزمهم هزيمة منكرة، وأُخذت منهم آلاتهم الحربية، وقتل من رجالهم العدد الكبير.  وحاول  العبيديون  اغتيال صلاح الدين أكثر من ثلاث مرات، لكن الله خذلهم ورد كيدهم. واستقرت الأمور لصلاح الدين، ونقل أسرته ووالده إلى مصر، ليتم له السرور، وتكون قصته مشابهة لقصة يوسف الصديق -عليه الصلاة والسلام-. ولم يزل صلاح الدين وزيراً حتى مات العاضد آخر خلفاء العبيديين 565 هـ، وبذلك انتهت الدولة العبيدية، وبدأت دولة بني أيوب "الأيوبية"، ولـُقِب صلاح الدين بالملك الناصر، وثبتت قدمه ورسخ ملكه. قال ابن شداد: "لم يزل صلاح الدين على قدم بساط العدل، ونشر الإحسان، وإفاضة الإنعام على الناس". بدأ صلاح الدين جهاده سنة 568هـ فبدأ ببلاد "الكرك" و"الشوبك" ودارت بينه وبين الفرنج معارك لم يظفر فيها بشيء، وفي أثناء ذلك قضى على حركات التمرد سواء من الفاطميين أو من المصريين كحركة رجل يدعى "الكنز". ثم إن صلاح الدين توجه إلى دمشق لما علم اختلاف أحوالها بعد وفاة نور الدين، وتولية الصالح إسماعيل ولده، وكان صبياً غير قادر على أعباء الدولة، فأخذها وفرح الدمشقيون به فرحاً شديداً، وبدأت البلاد الشامية وما حولها تدين له بالولاء والطاعة، وبدأ صلاح الدين يوطد ملكه على هذه البلاد حتى دانت له. ثم كانت واقعة حطين يوم السبت 14 ربيع الآخر 583 هـ، وكانت من أيام المسلمين المجيدة، ونصر الله المسلمين نصراً مؤزراً، وكان الصليبيون 63 ألفاً أُسر منهم 30 ألفاً وقتل 30 ألفاً، وفر ثلاثة آلاف مثخنين بالجراح 
وغنم المسلمون مغانم عظيمة حتى لقد حكى من عاصرها أنه شاهد رجلاً معه نيف وثلاثين أسيراً. وقبض صلاح الدين على "أرناط" صاحب الكرك، وقد قتل بعض الحجاج المسلمين، واستهزأ بالنبي -صلى الله عليه وسلم-، فأحضره أمامه فقال له: "ها أنا أنتصر لمحمد -صلى الله عليه وسلم- منك" ثم عرض عليه الإسلام فأبى، فضرب عنقه. ثم رحل إلى عكا وقاتل الصليبيين يوم الخميس مستهل جمادى الأولى 583 هـ، فأخذها واستنقذ من كان بها من أسارى المسلمين، وتفرق جيشه في بلاد الساحل يأخذون الحصون والقلاع، والأماكن المنيعة، ثم أخذ "صيدا" ثم "بيروت" في يوم الخميس التاسع والعشرين من شهر جمادى الأولى. ثم لما تسلم صلاح الدين "عسقلان" والأماكن المحيطة بالقدس؛ شمر عن ساق الجد والاجتهاد في قصد القدس المبارك، فاجتمعت إليه العساكر التي كانت متفرقة بالساحل، فسار نحوه معتمداً على الله -تعالى- مفوضاً أمره إليه. وكان نزوله عليه في الخامس من رجب 583 هـ، وفي يوم الجمعة العشرين من رجب نصب المجانيق، ولما رأى أعداء الله الصليبيون ما نزل بهم من الأمر وأنهم لا قبل لهم بجند المسلمين، استكانوا وطلبوا الأمان، وكان تسلم صلاح الدين لبيت المقدس يوم الجمعة السابع والعشرين من رجب، ثم استكمل بعد ذلك فتح ما حول القدس الشريف وبقية بلاد الشام، حتى دانت له هذه البلاد، ووقعت في أثناء ذلك بينه وبين الصليبيين حروب انتهت بانتصاره ومصالحتهم له. لم يخلف في خزانته إلا سبعة وأربعين درهما ودينارا صوريا، ولم يخلف مِلكاً ولا عقاراً. وكان لا يلبس إلا الكتان والقطن شديد القوى عاقلاً وقوراً مهيباً كريماً شجاعاً، كثير الغزو عالي الهمة. لم يختلف عليه في أيامه أحد من أصحابه، وكان الناس يأمنون ظلمه، ويرجون رفده، وأكثر ما كان يصل عطاؤه إلى الشجعان والعلماء، ولم يكن لمبطل ولا لمزَّاح عنده نصيب". قال العماد: "نزَّه المجالس من الهزل. يؤثر سماع الحديث بالأسانيد، حليماً، مُقيلاً للعثرة، تقياً، نقياً، وفياً، يغضي ولا يغضب، ما ردَّ سائلاً، ولا خجَّل قائلاً، كثير البر والصدقات. ما رأيته صلى إلا في جماعة". وكان حريصا -رحمه الله- على طلب العلم، فقد رحل إلى الإسكندرية لسماع موطأ الإمام مالك، ولم يشغله جهاده عن طلب العلم، ومن معرفته لقيمة العلم وأثره كان يأمر بقراءة صحيح البخاري على الجنود في الخيام أثناء الاستعداد لمعركة حطين. في السادس عشر من صفر 589 هـ يوم السبت أصيب بحمى صفراوية كانت في باطنه أكثر من ظاهره، واحتد عليه المرض حتى توفي يوم الأربعاء السابع والعشرين من صفر عام 589 هـ.

فينيقيا

فينيقْيَا اسم أطلقه قدماء الإغريق على الإقليم الذي تحتله الآن المناطق الساحلية من سوريا ولبنان وفلسطين. حدود فينيقيا : يمثل النَّهر الكبير الحدود الشمالية له، بينما يشكل جبل الكرمل حدوده الجنوبية. كذلك تحده جبال لبنان من الشرق والبحر المتوسط من الغرب.  أصل كلمة فينيقيا: لا يُعرف تحديدًا ويبدو أنها قد تطورت من كلمة كنعان، التي تعني بلاد الأرجوان وهو الاسم الذى أُطلق في البدء على بلاد سوريا  وفلسطين. كانت كنعان مصدرًا مهمًا للأرجوان الأحمر. يعتقد بعض الناس أن الإغريق ربما استخدموا لفظة فوينيك التي تعني الأرجوان الأحمر إشارة  إلى المجموعة التي كانت تُتاجر معهم في هذا الأرجوان لكن هناك من لا يقبل هذا التأويل. وفي النهاية أصبحت لفظة فينيقيا، اسمًا للشريط الساحلي لبلاد كنعان. كان الفينيقيون من أشهر شعوب العالم القديم، فقد كانوا بحارةً مهرة وملاّحين وتجارًا.  وسجل لهم التاريخ انهم كانوا من أوائل من أرسلوا مكتشفين وأقاموا مستعمرات على امتداد منطقة البحر 
الأبيض المتوسط وماوراء مضيق جبل طارق.   ليس من السهل التمييز بين الفينيقيين والشعوب الأخرى التي عاشت في بلاد كنعان قبل أن يفِد بنو إسرائيل هناك. ولهذا السبب يُعرف الفينيقيون في العهد القديم أحيانًا بالكنعانيين. وكثيرًا مايُشار إليهم بالصيداويين نسبة لمدينة صيدا الفينيقية. ويُعرف العلماء أن أوغاريت رأس شمرا الحالية، مدينة الفينيقيين الشمالية، والتي تقع في غربي سوريا، كانت على اتصال بحضارة كريت منذ 1900ق.م. وفي مابين عامي 1400م، و 1200ق.م. ازدهرت مُستعمرة مسينية في أوغاريت.  تحدث الفينيقيون لهجة إحدى اللغات السامية، واللغة الفينيقية قريبة جدًا من اللغة العربية، وتَبعُد نسبيًا عن الآرامية واللغات السامية في وادى الرافدين كالآشورية والبابلية. وقد كان العلماء في الماضي يعتقدون أن الفينيقيين قد ابتكروا أبجديتهم دون تأثير من أية جهة، إلا أن الاكتشافات الأخيرة أشارت إلى أنهم قد أخذوها من كتابات سابقة. تتكوّن الأبجدية الفينيقية من 22 صامتًا(حرفًا ساكنًا) ولما استعار الإغريق الأبجدية الفينيقية وضعوا خمسة رموز لأصوات ليست في لغتهم (كالعين والحاء... إلخ) لإعطاء الصوائت، أي الحركات وحروف المد. ومع بداية التاريخ الميلادي أصبحت الآرامية هي لغة فينيقيا، لكن أهل شمال إفريقيا حول قرطاج، المستعمرة الفينيقية، ظلوا يتحدثون اللغة الفينيقية حتى القرن السادس الميلادي، بلهجةً تُعرف بالبونيّة. وهناك بعض أسماء المناطق في جنوب أسبانيا التي استعمرها الفينيقيون في القرن الثامن ق.م. أو قبل ذلك، انحدرت من اللغة الفينيقية. فالاسم قادش (قادس، بالأسبانية الآن) جاء من الكلمة الفينيقية الحائط. وكلمة بايبل جاءت من الكلمة الإغريقية الكتاب والإغريق أخذوا الكلمة من مدينة بيبلوس (جبيل) الفينيقية والتي كانت 
مركزًا لتجارة البردي.  كان لدى الفينيقيين عدة معبودات، أطلقوا عليها اسم بعل (للسيد) و بعلت (للسيدة). وقد عبد كل الفينيقيين نفس المعبودات الرئيسية، رغم أن المعبودين قد عُرفوا بأسماء مختلفة في مدن مختلفة. فالمعبود ملقارت معبود صور يمكن أن يكون بعل صور. وقد مارس الفينيقيون تقديم القرابين تمامًا كما فعلت الشعوب السامية الأخرى. إلا أنهم قدموا قرابين بشرية في فينيقيا ومستعمراتهم الأخرى، الشيء الذي أكسبهم شهرة في القسوة.  وكانت قصة عشتروت ومحبوبها أدونيس معروفة في فينيقيا، ثم وجدت طريقها إلى اليونان حيث أصبحت عشتروت هي المعبودة الإغريقية أفروديت. وعرفها الرومان لاحقًا بفينوس. وقد عرفت قصة موت أدونيس المأساوية، بأنياب خنزير بري، وانتحاب محبوبته عليه، من الأدب الإغريقي، إلى اللاتيني، ثم الإنجليزي عبر قصة فينوس وأدونيس.
عاش الفينيقيون مثل الإغريق في عدد من الدول ـ المدن، ولم توحَّد تلك المدن في قطر واحد. وكانت أرستقراطيات يحكمها ملوك. وبدءًا من القرن التاسع ق.م ظهرت مجالس الحكماء لتحكم إلى جانب الملك، وكان بعض هذه المجالس أكثر نفوذًا من الملوك. وفي وقتٍ لاحق أصبحت مُعظم هذه المدن تحكمها حكومة مدنية تُسمى الشوفيت. وقد هبط مُعظم سكان الجبال الفينيقيين إلى البحر حيث بُنيت معظم المدن القديمة على جزر مثل صور وأرواد، أو احتلوا مواقع موانئ صغيرة على الساحل على منحدرات التلال. ومن أهم تلك المدن الساحلية، من الشمال إلى الجنوب: أرواد وجبيل وبيرتوس (بيروت الحالية) وصيدا وصور وعكا. والمدينة الوحيدة التي احتفظت بأهميتها حتى وقتنا الحالي هي بيروت عاصمة لبنان وأهم ميناء فيه.
 كانت فينيقيا تُعد الملتقى الطبيعى للحضارات الوافدة، لأنها تقع على الطريق الرئيسي للحركة بين مصر في الجنوب وآسيا الصغرى وبلاد الرافدين في الشرق. لقد فرضت مصر تأثيرات مبكرة على الفينيقيين. فمنذ عهد المملكة المصرية القديمة، منذ نحو 2686 إلى 2181ق.م، كانت مصر تستورد خشب الأرز المشهور من لبنان. في عهد المملكة المصرية الوسطى أنشأتْ الدولتان علاقات تجارية مُنتظمة. كان الفينيقيون يُصدرون الأخشاب ويستوردون الذهب والمصنوعات. وخلال القرن الخامس عشر قبل الميلاد أصبحت فينيقيا مقاطعة حدودية لمصر، وبقيت كذلك لنحو مائة عام. وفي هذه الأثناء تأثرت مصر بالمدن الفينيقية مثلما أثرت فيها. فكثيرًا مازار النبلاء الفينيقيون البلاط المصري كما أثّرت العبادات والأفكار الدينية الفينيقية في الفكر المصري.  كذلك تأثرت فينيقيا القديمة بالحضارة البابلية، فخلال القرن الرابع عشر قبل الميلاد كان أمراء فينيقيا يكتبون بالخط المسماري. وتعلم الفينيقيون ختم مستنداتهم بأختام بابلية. كذلك تعلم الفينيقيون من البابليين الكثير من قصصهم الأسطورية عن بداية العالم، ومولد آلهتهم، وخلق البشر. ويرى بعض العلماء أن فينيقيا كانت الممر الذي عبرت من خلاله الأساطير البابلية التي تَحكي عن الخلق وعن الطوفان، إلى العبرانيين في الجنوب وإلى الإغريق. ولفترة قصيرة خلال القرن الثالث عشر دخلت فينيقيا في دائرة النفوذ الحيثي، إلا أنها استعادت حريتها حين انهارت الإمبراطورية الحيثية. 
 سقطت المدن الفينيقية في قبضة الآشوريين في عام 842ق.م، ولمائتي عام بعد ذلك بقي الفينيقيون تحت حكم آشور. كانت تلك الحقبة فترة شدة وتمرد وقمع. وبعد سقوط الآشوريين في 612ق.م، خضعت فينيقيا لفترة وجيزة لحكم البابليين. بعد ذلك أصبحت المنطقة جُزءًا من الإمبراطورية الفارسية التي أنشأها الملك داريوس الأول. في هذه الفترة أصبحت صيدا أكثر أهمية من صور؛ وازدهرت المدن الفينيقية تحت حكم الفرس، وبقي الفينيقيون بُناة سفن وبحارة متميزين. وأثناء الحروب الفارسية (490 - 479ق.م) كان الأسطول الأول الفينيقي هو الساعد الأقوى للبحرية الفارسية في هجومها على بلاد الإغريق. يقول هيرودوت. إن ملك صيدا كان يحتل المرتبة الثانية بعد أحشورش ملك الفرس (أحشورش الأول) في هذا الأسطول. إلا أن الإغريق دمروا الأسطول الفينيقي عن آخره تقريبًا في معركة سلاميز في عام 480ق.م.  وقعت فينيقيا تحت الحكم الإغريقي المقدوني حين احتل الإسكندر مدينة صور في عام 332ق.م. أما خلفاؤه، حكام مصر وسوريا، فقد تصارعوا حول السيطرة على المدن الفينيقية والتحكم في مناعة بناء السفن وفي مصادرها التجارية. تبدلت الحضارة الفينيقية في هذه الفترة. وأصبحت اللغة الإغريقية لغة الأدب والمعرفة. أما الآرامية التي احتلت مكان اللغة الفينيقية في الماضي، فقد أصبحت لغة السوقة والعامة. وهناك عدد من فلاسفة تلك الفترة، انحدروا من أصول فينيقية، مثل زينو من صيدا وديودوروس من صور. وفي عام 64 ق.م، قام الإمبراطور الروماني بومبي العظيم بضم فينيقيا لتصبح جُزءًا من مقاطعة سوريا الرومانية. وكان الرومان قد أنشأوا مدرسة اشتهرت بتدريس القانون في بيروت. أصبحت صور وصيدا مركزين مهمين للمعرفة وواصلتا ازدهارهما التجاري. كذلك اشتهرت صور بصناعة الزجاج. وفي القرن السابع الميلادي فتح المسلمون فينيقيا وبقية سوريا.

كونفوشيوس Confucius

 هو أول فيلسوف صيني يفلح في إقامة مذهب يتضمن كل التقاليد الصينية عن السلوك الإجتماعي و الأخلاقي . ففلسفته قائمة على القيم الأخلاقية الشخصية و على أن تكون هناك حكومة تخدم الشعب تطبيقاً لمثل أخلاقي أعلى . و قد ظلت هذه الأفكار تتحكم في سلوك الناس أكثر من ألف عام . و يلقب بنبي الصين . ولد كونفوشيوس سنة 551 ق.م. في ولاية لو في شمال الصين . مات أبوه و هو طفل . فعاش مع أمه في فقر شديد . و عندما كبر عمل موظفاً في الحكومة . ثم اعتزل العمل الحكومي و بعدها أمضى ستة عشر عاماً من عمره يعظ الناس متنقلاً من مدينة إلى مدينة . و قد التف حوله عدد كبير من الناس ، و لما بلغ الخمسين من عمره عاد إلى العمل في الحكومة . و لكن استطاع بعض الحاقدين عليه أن يطردوه من الحكومة ، فترك لهم البلاد كلها . و أمضى بعد ذلك ثلاثة عشر عاماً مبشراً متجولاً . ثم عاد ليقيم في بلدته خمس سنوات الأخيرة من عمره . و توفى سنة 479ق.م. و كثيراً ما وصف كونفوشيوس بأنه أحد مؤسسي الديانات ، و هذا تعبير غير دقيق إن لم يكن خاطئاً فمذهبه ليس ديناً . فهو لا يتحدث عن إله أو السماوات . و إنما مذهبه هو طريقة في الحياة الخاصة و السلوك الإجتماعي و السلوك السياسي . و مذهبه يقوم على الحب - حب الناس و حسن معاملتهم و الرقة في الحديث و الأدب في الخطاب . و نظافة اليد و اللسان . و أيضاً يقوم مذهبه على احترام الأكبر سناً و الأكبر مقاماً ، و على تقديس الأسرة و على طاعة الصعير للكبير و طاعة المرأة لزوجها . و لكنه في نفس الوقت يكره الطغيان و الإستبداد . و هو يؤمن بأن الحكومة إنما أنشئت لخدمة الشعب و ليس العكس . و أن الحاكم يجب أن يكون عتد قيم أخلاقية و مثل عليا . و من الحكم التي اتخذها كونفوشيوس قاعدة لسلوكه تلك الحكمة القديمة التي تقول : " أحب لغيرك ما تحبه لنفسك " . و وكان كونفوشيوس محافظاً في نظرته إلى الحياة فهو يرى بأن العصر الذهبي للإنسانية كان وراءها - أي كان في الماضي . و هو لذلك كان يحن إلى الماضي و يدعو الناس إلى الحياة فيه .. و لكن الحكام على زمانه لم يكونوا من رأيه و لذلك لقي بعض المعارضة . و قد اشتدت هذه المعارضة بعد وفاته ببضع مئات من السنين ، عندما ولي الصين ملوك أحرقوا كتبه و حرموا تعاليمه .. و رأوا فيها نكسة مستمرة . لأن الشعوب يجب أن تنظر أمامها . بينما هو يدعو الناس إلى النظر إلى الوراء .. و لكن ما لبثت تعاليم كونفوشيوس أن عادت أقوى مما كانت و انتشر تلاميذه و كهنته في كل مكان .. و استمرت فلسفة كونفوشيوس تتحكم في الحياة الصينية قرابة عشرين قرناً - أي من القرن الأول قبل الميلاد حتى نهاية القرن التاسع عشر بعد الميلاد . أما إيمان أهل الصين بفلسفة كونفوشيوس فيعود إلى سببين : أولا أنه كان صادقاً مخلصاً . لا شك في ذلك . ثانياً أنه شخص معقول و معتدل و عملي . و هذا يتفق تماماً مع المزاج الصيني . بل هذا هو السبب الأكبر في انتشار فلسفته في الصين . و هو بذلك كان قريباً منهم . فلم يطلب إليهم أن يغيروا حياتهم أو يثوروا عليها . و إنما هو أكد لهم كل ما يؤمنون به فوجدوا أنفسهم في تعاليمه . و لذلك ظلت فلسفة كونفوشيوس صينية . و لم تتجاوزها إلا إلى اليابان و كوريا .. و لكن هذه الفلسفة قد انحسرت تماماً عن الصين . بعد أن تحولت إلى الشيوعية و اتجهت الصين إلى المستقبل و انتزعت نفسها من هذه الديانة و ذلك بالبعد عن الماضي و مسالمة الناس في الداخل و الخارج . و لكن تظل فلسفة كونفوشيوس هي التي حققت سلاماً و أمناً داخلياً أكثر من عشرين قرناً للصين . و قد فشلت الكونفوشية أن تترك أثراً يذكر خارج الصين .
كونفشيوس ولد عام 551ق.م في بلدة شانتونغ بالصين في اسرة فقيرة رغم ما امتازت بة من عراقة وتوفى ابوة وعمرة 3سنوات ولم يترك لهم ثروة ينفقون منها مما اضطر بامة للعمل للانفاق علية واشتهر في صغرة بارتداء الازياء الغريبة والقيام بالطقوس الشعاءرية على سبيل اللعب وتتزوج وهو في ال19من عمرةوانجب من زوجتة ولد واختلفت المصادر حول السن الذى هجر فية بيتة وتجول فية في جميع انحاء الصين بيد انهم لم يختلفوا حول حقيقةهجرة لابنة وزوجتة وقام بتعلم الموسيقى والتى كانت حديثة العهد فى ذلك الوقت وتعلم الشعائرالدينية وقام من خلال تجاربة بوضع منهج اخلاقى بحت يعتمد على الموسقى والمبادىء الاخلاقية المثلى ولم يقم بتكوين ديانة خاصةكما زعم البعض وتوفى عام478ق.م فى مسقط راسة ومن اهم مقولاتة"لا تعاملوا الناس بطريقة لا تريدون ان يعاملوكم بها"
 تعاليم كونفوشويس
 كتاب يسجل فيه أفكار وأقوال وأعمال كونفوشيوس. وقد كان تلاميذه بعد موته جمعوها وأعدوها في كتاب. ويضم هذا الكتاب عشرين مقالة.
1-- موكب من ثلاثة أشخاص
قال كونفوشيوس: "إذا كان هناك موكب من ثلاثة أشخاص، فمن المؤكد أن واحدا منهم جدير بأن يكون أستاذا لي، حتى أستفيد من مزاياه، وأتنزه عن خطاياه."
2-- زي قونغ يسأل عن السياسة
سأل زي قونغ عن سياسة البلاد في إدارة شؤونها، قال كونفوشيوس:
- إنها توفير المواد الغذائية، وتوفير المعدات العسكرية، واكتساب ثقة الشعب بالحكومة.
وسأل زي قونغ:
- أي أمر من هذه الأمور الثلاثة يمكن الاستغناء عنه أولا إذا كان ذلك لا مناص منه؟
فأجاب:
- يمكن الاستغناء عن المعدات العسكرية.
وعاد زي قونغ يسأل:
- وأي من الأمرين الباقيين يمكن الاستغناء عنه أولا إذا كان لا مفر من ذلك؟
فقال:
- يمكن الاستغناء عن المواد الغذائية، حيث أن الموت تذوقه كل نفس منذ الأزل، أما الحكومة فلا تقف على قدميها إلا بثقة الشعب.
3 -- ما لا ترضاه لنفسك
سأل زي قونغ قائلا:
- هل هناك نصيحة يمكن السير على نهجها مدى الحياة؟
قال كونفوشيوس:
- قد تكون هي التسامح وألا ترضي لغيرك ما لا ترضاه لنفسك.
4 -- ثلاثة يحذرها الشريف
قال كونفوشيوس:
- ثلاثة يجب على الرجل الشريف أن يحذر منها. في مرحلة الشباب، حيث بداية الحيوية والنشاط، يجب أن يحذر من فتنة النساء. وفي مرحلة الكهولة، حيث تتوهج الحيوية والنشاط، يجب أن يحذر من المغالبة. وفي مرحلة الشيخوخة، حيث تذبل حيويته ونشاطه، يجب أن يحذر من الطمع.

 من اقواله الحكيمة
" على الانسان ان يفعل ما يعظ الناس به , كما عليه ايضا ان يعظ الناس بما يفعله "
" اننا لم نعرف شيئا حتى الان عن الحياة , فكيف نعرف عن الموت ؟ "
" فليقم الامير بدوره كأمير , والتابع كتابع , وليقم الاب بدوره كأب , والابن كأبن "
و أخر ما قال كونفوشيوس :
" انا لست حزينا لان الناس لا تعرفنى , ولكننى حزين لانى لا اعرفهم "
كونفوشيوس الذي عاش في مجتمع يسوده الإقطاع والفوضى وتمزقه الحروب وعدم انتظام الحياة العامة بشكل سليم، كان يدعو إلى احترام الإنسان، ومن أجل ذلك دعا لاقتران السياسة بالأخلاق، وأساس فلسفته إقامة نظام سياسي اجتماعي على أساس من المنطق السليم والمبادىء العقلية السليمة، وهذا النظام السياسي يتخذ أساسه من الأخلاق.  ركّز كونفوشيوس على دور التربية والتعليم لتنشئة الأجيال وإعدادها، والتربية عنده يجب أن تغرس الشعور بالمسؤولية، وروح العمل الجماعي، أما التعليم فيجب أن يكون شاملاً، ومن المتعلمين يجب أن يتم اختيار أصحاب المناصب الإدارية الحساسة، فالتعليم هو المعيار عنده لا الانتماء الاجتماعي. والكونفوشية لم تبحث عن قيم ومثل في غير عالمنا المعاش، ولم تطلب ما لا يمكن للطبيعة البشرية أن تحققه، ولكنها ترسم أنماطاً من السلوك المبني على الطبيعة الإنسانية وإمكانيات هذه الطبيعة، والنظام الأخلاقي والسلوكي عند الكونفوشيين يقوم على الوسطية والاعتدال بلا إفراط أو تفريط، والعلاقات هذه تقوم على ركائز خمس: هي علاقة الأمير بالرعية، وعلاقة الابن بأبيه، والأخ الأكبر بأخيه الأصغر، وعلاقة الزوج بزوجته، وعلاقة الصديق بصديقه. لقد توصل كونفوشيوس إلى قناعة مفادها أن مشكلات الشعب تنبع من السلطة الحاكمة التي تمارس من غير مبدأ أخلاقي، ويهمها مصلحة الحاكم ورفاهيته، والصحيح عنده أن تدار الحكومة بشكل يحقق مصالح الناس جميعاً، وهذا لا يكون إلاّ إذا كان أعضاء الحكومة من المتميزين بأكبر قدر من الاستقامة الشخصية، . لقد آمن كونفوشيوس "بأنه ليس في الوجود سوى إله واحد قوي الإرادة هو السماء، وكان أول من صرّح بوجود العناية الوحدانية بالصين عندما كانت الصين غارقة في ظلمات الوثنية والوحشية، ولم يكن هو نفسه موضع عبادة أو تأليه، ولم يرضَ بذلك، لأنه كان يعتبر الآلهة رموزاً لقوى الطبيعة وأرواح السلف ليس أكثر وعند الكونفوشية تفسير يحاولون من خلاله تبرير اعتقادهم بقوى الطبيعة وكائناتها، هذا التفسير يبدأ من الماء والنار وما يتعلق بهما وينتهي مع الإنسان، وهو عندهم أرقى الكائنات.يبني الكونفوشيون تفكيرهم على فكرة "العناصر الخمسة":
فتركيب الأشياء: معدن - خشب - ماء - نار - تراب.
الأضاحي والقرابين خمسة.
الموسيقى لها خمسة مفاتيح، والألوان الأساسية خمسة.
الجهات خمس: شرق وغرب وشمال وجنوب ووسط.
درجات القرابة خمس: أبوّة - أمومة - زوجية - بنوّة - أخوّة.
ولذلك تتلخص عقيدة الكونفوشيوس فيما يلي:
ـ الإِله الأعظم أو إله السماء ويتوجهون إليه بالعبادة، كما أن عبادته وتقديم القرابين إليه مخصوصة بالملك، أو بأمراء المقاطعات.
ـ إله الأرض، ويعبده عامة الصينيين. ـ للشمس والقمر، والكواكب، والسحاب، والجبال ... لكل منها إله. وعبادتها وتقديم القرابين إليها مخصوصة بالأمراء. ـ الملائكــة: يقدسون الملائكة ويقدمون إليها القرابين. ـ أرواح الأسلاف: يقدس الصينيون أرواح أجدادهم الأقدمين، ويعتقدون ببقاء الأرواح، والقرابين عبارة عن موائد يدخلون بها السرور على تلك الأرواح بأنواع الموسيقى، ويوجد في كل بيت معبد لأرواح الأموات ولآلهة المنزل ـ الإيمان بثنائية الـYang والـYin والعناصر الخمسة وخصائصها وصولاً إلى القرابين الخمسة التي قدمونها ولكل واحدة وجهتها. رغم الطابع الإنساني للكونفوشية فإن الموقف من المرأة لم يكن إيجابياً وينسب لكونفوشيوس قوله: "إحذر لسان المرأة، إنك ستلدغ منه إن عاجلاً أو آجلاً واحذر زيارة المرأة إنها ستصيبك إن عاجلاً وإن آجلاً". وكونفوشيوس، كمن سبقه من فلاسفة الصين، قال بانتظام الأمور الكونية وشؤون المجتمع وفق قوانين لها صفة الثبات، والتغيير ليس مطلباً قريب المنال، ويؤثر عن كونفوشيوس أنه قال مرة، وهو على ضفة نهر، العبارة التالية: "كل شيء يجري كما تجري هذه المياه، لا شيء يتوقف، لا النهار ولا الليل، من لا يعرف إرادة السماء لا يصبح حكيماً".  وعلى ضوء ذلك فإن الفلسفة الكونفوشية كما يقول ول ديورانت: هي " أهم ما يواجه المؤرخ لبلاد الصين، ذلك أن كتابات معلمها الأكبر ظلّ جيلاً بعد جيل النصوص المقررة في مدارس الدولة الصينية، يكاد كل صبي يتخرج في تلك المدارس أن يحفظها عن ظهر قلب، وتغلغلت النزعة المتحفظة القوية التي يمتاز بها الحكيم القديم في قلوب الصينيين، وسرت في دمائهم، وأكسبت أفراد الأمة الصينية كرامة وعمقاً في التفكير لا نظير لهما في غير تاريخهم أو في غير بلادهم، واستطاعت الصين بفضل هذه الفلسفة أن تحيا حياة اجتماعية متناسقة متآلفة، وأن تبعث في نفوس أبنائها إعجاباً شديداً بالعلم والحكمة، وان تنشر في بلادها ثقافة مستقرة هادئة أكسبت الحضارة الصينية قوة أمكنتها من أن تنهض من كبوتها، وتسترد قواها بعد الغزوات المتكررة التي اجتاحت بلادها.

قصر البارون إمبان

في نهاية القرن التاسع عشر بالتحديد بعد عدة سنوات من أفتتاح قناة السويس رست على شاطئ القناة سفينة كبيرة قادمة من الهند وكان على متن هذه السفينة مليونير بلجيكي يدعى إدوارد إمبان كان إدوارد إمبان يحمل لقب بارون وقد منحته له فرنسا تقديرا لمجهوداته في إنشاء مترو باريس حيث كان إمبان مهندسا متميزا. لم تكن هواية إدوارد إمبان الوحيدة هي جمع المال فقد كان يعشق السفر والترحال باستمرار ولذلك أنطلق بأمواله التي لا تحصى إلى معظم بلدان العالم. سافر إلى المكسيك ومنها إلى البرازيل ومن أمريكا الجنوبية إلى إفريقيا حيث أقام الكثير من المشروعات في الكونغو وحقق ثروة طائلة ومن قلب القارة السمراء أتجه شرقا إلى بلاد السحر والجمال الهند. وصل البارون إمبان إلى القاهرة ولم تمضِ أيام حتى انطلق سهم الغرام في قلب المليونير البلجيكي وعشق الرجل مصر لدرجة الجنون وأتخذ قرارا مصيريا بالبقاء في مصر حتى وفاته وكتب في وصيته أن يدفن في تراب مصر حتى ولو وافته المنية خارجها  كان طبيعيا على من اتخذ مثل هذا القرار 
أن يبحث له عن مقر إقامة دائم في المكان الذي سقط صريع هواه وكان أغرب ما في الأمر هو اختيار البارون إمبان لمكان في الصحراء بالقرب من القاهرة وقع اختيار البارون لهذا المكان باعتباره متاخما للقاهرة وقريبا من السويس ولتمتع المكان بصفاء الجو ونقاء الهواء وبالتأكيد لم يكن أحد في هذا الزمن يرى ما يراه الاقتصادي البلجيكي ولا يعرف ما يدور داخل رأسه عن المستقبل تذكر البارون أنه في أثناء إقامته بالهند عندما ألم به مرض شديد كاد يودي بحياته أهتم به الهنود واعتنوا بصحته وأنقذوه من الموت المحقق وتذكر البارون إمبان القرار الذي اتخذه أيامها بعد شفائه بأن يبني أول قصوره الجديدة على الطراز الهندي عرفانا منه بالجميل لأهل هذا البلد أما أهم ما يميز قصر البارون فهو قاعدته الخرسانية التي ترتكز على «رولمان بلي» تدور فوق عجلات متحركة بحيث يلف القصر بمن فيه ليرى الواقف في شرفة القصر كل ما يدور حوله وهو في مكانه كما أن الشمس لا تغيب عنه كان حفل الافتتاح حدثا لافتا في حياة المصريين وقتها وحضره السلطان حسين كامل الذي أبدى إعجابه الشديد به وحاول الحصول عليه الا أن امبان رفض اهداءه إياه.  توفي البارون إمبان في 22 يوليو 1929 ومنذ هذا التاريخ تعرض القصر لخطر الإهمال لسنوات طويلة وتحولت حدائقه التي كانت غناء يوماً ما إلى خراب وأصبح القصر مهجوراً· وقد تعرض القصر بعد ذلك لخطر الإهمال سنوات طويلة والذي تحولت فيها حدائقه إلى خرائب وتشتت جهود ورثته ومن حاول شراء القصر واستثماره إلي أن اتخذت الحكومة المصرية قراراً بضمه إلى قطاع السياحة وهيئة الآثار 
السلطان حسين كامل
المصرية اللتين باشرتا عملية الأعمار والترميم فيه على أمل تحويله إلى متحف أوأحد قصور الرئاسة المصرية بسبب إغلاقه المستمر، نسج الناس حوله الكثير من القصص الخيالية، ومنها أنه صار مأوى للشياطين مما دفع ورثته زوجته وابنته لبيعه عام 1955 إلى مستثمرين أحدهما سوري والآخر سعودي بمبلغ سبعة آلاف جنيه ولقد تمت محاولات عديدة لهدم القصر لتحويله إلى فندق عالمي. معظم الأقاويل التي جعلت قصر البارون بيتا حقيقيا للرعب تدور حول سماع أصوات لنقل أساس القصر بين حجراته المختلفة في منتصف الليل والأضواء التي تضيء فجأة في الساحة الخلفية للقصر وتنطفئ فجأة أيضا، وتبلغ درجة تصديق السكان المجاورين للقصر حدا كبيرا فيصرح بواب إحدى العمارات المواجهة للقصر بأن الأشباح لا تظهر في القصر إلا ليلا وهي لا تتيح الفرصة لأحد أن يظل داخل القصر مهما كان الثمن وذلك يؤكد ذلك ما حدث في عام 82 حيث شاهد العديد من المارة دخانا ينبعث من غرفة القصر الرئيسية ثم دخل في شباك البرج الرئيسي للقصر بعدها ظهر وهج نيران ما لبث أن انطفأ وحده دون أن يعمل على إطفائه أحد.

الجمعة، 20 يونيو 2014

الرجال من صنعتهم أمهاتهم



ﺤﻜﻲ ﺃﺣﺪﻫﻢ ﻗﺎﺋﻼً ﺑﻌﺪ ﺧﻼﻓﻪ ﻣﻊ ﻭﺍﻟﺪﺗﻪ
ﻭﺧﺮﻭﺟﻪ ﻣﻦ ﺍﻟﻤﻨﺰﻝ ﻏﺎﺿﺒﺎً : ﺍﺧﺮﺟﺖ ﺟﻮﺍﻟﻲ ﻭﺃﻧﺎ ﻋﻠﻰ ﺑﻮﺍﺑﺔ ﺍﻟﺠﺎﻣﻌﺔ
ﻓﻜﺘﺒﺖ ﺭﺳﺎﻟﺔ ﺃﺩﺍﻋﺐ ﺑﻬﺎ ﻗﻠﺐ ﻭﺍﻟﺪﺗﻲ ﺍﻟﺤﻨﻮﻥ ﻓﻜﺎﻥ ﻣﻤﺎ ﻛﺘﺒﺖ :
" ﻋَﻠﻤﺖ ﻟﻠﺘﻮ ﺃﻥ ﺑﺎﻃﻦ ﻗﺪﻡ ﺍﻹﻧﺴﺎﻥ ﻳﻜﻮﻥ ﺃﻛﺜﺮ ﻟﻴﻮﻧﺔ ﻭﻧﻌﻮﻣﺔ
ﻣﻦ ﻇﺎﻫﺮﻫﺎ ﻳﺎ ﻏﺎﻟﻴﺔ ﻓﻬﻞ ﻳﺄﺫﻥ ﻟﻲ ﻗﺪﻣﻜﻢ ﻭﻳﺴﻤﺢ ﻟﻲ ﻛﺒﺮﻳﺎﺋﻜﻢ
ﺑﺄﻥ ﺃﺗﺄﻛﺪ ﻣﻦ ﺻﺤﺔ ﻫﺬﻩ ﺍﻟﻤﻘﻮﻟﺔ ﺑﺸﻔﺘﺎﻱ؟ "
ﺃﺩﺧﻠﺖ ﺟﻮﺍﻟﻲ ﻓﻲ ﺟﻴﺒﻲ ﻭﺃﻛﻤﻠﺖ ﻃﺮﻳﻘﻲ ﻭﻟﻤّﺎ ﻭﺻﻠﺖ ﻟﻠﺒﻴﺖ ﻭﻓﺘﺤﺖ
ﺍﻟﺒﺎﺏ ﻭﺟﺪﺕ ﺃﻣﻲ ﺗﻨﺘﻈﺮﻧﻲ ﻓﻲ ﺍﻟﺼﺎﻟﺔ ﻭﻫﻲ ﺑﻴﻦ ﺩﻣﻊ ﻭﻓﺮﺡ
ﻗﺎﻟﺖ : " ﻻ ﻟﻦ ﺃﺳﻤﺢ ﻟﻚ ﺑﺬﻟﻚ ﻷﻧﻨﻲ ﻣﺘﺄﻛﺪﺓ ﻣﻦ ﺻﺤﺔ ﻫﺬﻩ ﺍﻟﻤﻘﻮﻟﺔ
ﻓﻘﺪ ﺗﺄﻛﺪﺕ ﻣﻦ ﺫﻟﻚ ﻋﻨﺪﻣﺎ ﻛﻨﺖ ﺃﻗﺒﻞ ﻗﺪﻣﺎﻙ ﻇﺎﻫﺮﺍً ﻭﺑﺎﻃﻨﺎً ﻳﻮﻡ ﺃﻥ ﻛﻨﺖ ﺻﻐﻴﺮﺍً "
ﻭﻻ ﺃﺫﻛﺮ ﺳﻮﻯ ﺩﻣﻮﻋﻲ ﻭﻫﻲ ﺗﺘﺴﺎﻗﻂ ﺑﻌﺪ ﻣﺎ ﻗﺎﻟﺘﻬﺎ !!

الخميس، 19 يونيو 2014

الخوارزمي أبو عبد الله محمد بن موسى

هو أبو عبد الله محمد بن موسى الخوارزمي (أبو جعفر),كان من اوائل علماء الرياضيات المسلمين حيث ساهمت اعماله بدور كبير في تقدم الرياضيات في عصره. ، أصله من خوارزم. ونجهل تاريخ مولده، غير أنه عاصر المأمون. انتقلت عائلته من مدينة خوارزم في خراسان الى بغداد , وعاش مع اهله في قريه صغيره تسمى قطربل , هو أصغر إخوته من البنين والبنات ، كان محمد دائما مشغول الفكر بأشكال الأشياء والمسافات بينها وتقدير ارتفاعاتها وقضي محمد عامين في دراسته للرياضيات ولنبوغ الخوارزمي في علم الرياضيات حيث ذاع اسمه وانتشر صيته بعدما برز في الفلك والرياضيات. اتصل بالخليفة المأمون الذي أكرمه، وانتمى إلى (بيت الحكمة) وأصبح من العلماء الموثوق بهم.  انجز الخوارزمي معظم ابحاثه بين عامي 813 و 833 في دار الحكمة، التي أسسها الخليفة المأمون. و نشر اعماله باللغة العربية، التي كانت لغة العلم في ذلك العصر. ويسميه الطبري في تاريخه: محمد بن موسى الخوارزمي المجوسي القطربلّي ، نسبة إلى قرية قُطْربُلّ من ضواحي بغداد. اللقب مجوسي يتناقض مع بدء الخوارزمي لكتابه (الجبر والمقابلة) بالبسملة. في بيت الحكمة طور الخوارزمي الفكر الرياضي وذلك بإيجاد نظم لتحليل كل من معادلات الدرجة الأولى والثانية ذات المجهول الواحد بطرق جبرية وهندسية، لذا يعتبر الجبر والمقابلة للخوارزمي هو أول محاولة منظمة لتطوير علم 
الجبر على أسس علمية منطقية.  إن الرياضيات التي ورثها علماء العرب والمسلمين عن اليونان تجعل حساب التقسيم الشرعي للتركات بين الورثة معقدًا للغاية - إن لم يكن مستحيلاً - وهذا ما دفع الخوارزمي للبحث عن طريق أدق وأشمل وأكثر قابلية للتكيف، فاستعمل علم الجبر، وقد وجد الخوارزمي متسعًا من الوقت لكتابة علم الجبر الذي جعله مشهورًا حينما كان منهمكًا في الأعمال الفلكية في بغداد. وقد بين الخوارزمي في مقدمة كتابه (حساب الفلك والجبر والمقابلة) أن الخليفة المأمون هو الذي طلب منه أن يؤلف كتاب: (حساب الجبر والمقابلة) كي يسهل الانتفاع به في كل ما يحتاج إليه الناس، وهنا نورد نص مقدمة كتاب (حساب الجبر والمقابلة): "وقد شجعنا ما فضل الله به الإمام (المأمون) أمير المؤمنين من الخلافة التي حاز له إرثها، وأكرمه بلباسها، وحلاه بزينتها، من الرغبة في الأدب وتقريب أهله وأبنائهم، وبسط كنفه لهم، ومعونته إياهم على إيضاح ما كان مشتبهًا وتسهيل ما كان مستوعرًا". وقد ترك الخوارزمي عدداً من المؤلفات أهمها: الزيج الأول، الزيج الثاني المعروف بالسند هند، كتاب الرخامة، كتاب العمل 
بالإسطرلاب، كتاب الجبر والمقابلة الذي ألَّفه لما يلزم الناس من الحاجة إليه في مواريثهم ووصاياهم، وفي مقاسمتهم وأحكامهم وتجارتهم، وفي جميع ما يتعاملون به بينهم من مساحة الأرضين وكرى الأنهار والهندسة، وغير ذلك من وجوهه وفنونه. ويعالج كتاب الجبر والمقابلة المعاملات التي تجري بين الناس كالبيع والشراء، وصرافة الدراهم، والتأجير، كما يبحث في أعمال مسح الأرض فيعين وحدة القياس. ويقوم بأعمال تطبيقية تتناول مساحة بعض السطوح، ومساحة الدائرة، ومساحة قطعة الدائرة، وقد عين لذلك قيمة النسبة التقريبية فكانت 7/1 3 أو 7/22، وتوصل أيضاً إلى حساب بعض الأجسام، كالهرم الثلاثي، والهرم الرباعي والمخروط. و لا يعتبر الخوارزمي أحد أبرز العلماء العرب فحسب، وإنما أحد مشاهير العلم في العالم، إذ تعدد جوانب نبوغه. ففضلاً عن أنه واضع أسس الجبر الحديث، ترك آثاراً مهمة في علم الفلك وغدا (زيجه) مرجعاً لأرباب هذا العلم. كما اطلع الناس على الأرقام الهندسية، ومهر علم الحساب بطابع علمي لم يتوافر للهنود الذين أخذ عنهم هذه الأرقام. وأن نهضة أوروبا في العلوم الرياضية انطلقت ممّا أخذه عنه رياضيوها، ولولاه لكانت تأخرت هذه النهضة وتأخرت المدنية زمناً ليس باليسير . هذا، وتظهر عبقرية "الخوارزمي " في " الزيج " أو الجدول الفلكي الذي صنعه وأطلق عليه اسم "السند هند الصغير،،وقد جامع فيه بين مذهب الهند، ومذهب الفرس، ومذهب بطليموس (اليونان)، فاستحسن أهل زمانه ذلك وانتفعوا به مدة طويلة فذاعت شهرته وصار لهذا الزيج أثر كبير في الشرق والغرب. وللخوارزمي مأثرة أخرى، وهي أنه رسم للمأمون خريطة كبيرة للعالم المعمور على أيامه، كما وضع كتاباً جغرافياً بعنوان "صورة الأرض " اعتمد فيه على كتاب المجسطي لبطليموس مع إضافات 
وشروح وتعليقات. وقد نشر هذا الكتاب وترجم إلى الألمانية سنة 1926 م. وشارك الخوارزمي علماء المأمون في أعمال المرصد الفلكي لمعرفة محيط الارض ومساحتها وتقدير خطوط الطول والعرض ووضع حصاد هذا الجهد في كتابه الربع المعمور والف في الجغرافيا والفلك وهو من انبغ المسلمين في الرياضة والجغرافيا . ولم يتفق أحد من مؤرخي العلم علي تاريخ ميلاد له أو وفاة لكن حصاد عمر الخوارزمي في علم الجبر والحساب خاصة مازال يعطي ثماره في كل زمان ومكان . تعتبر انجازات الخوارزمي في الرياضيات عظيمة، و لعبت دورا كبيرا في تقدم الرياضيات و العلوم التي تعتمد عليها ومن إنجازاته :
 - ابتكر الخوارزمي مفهوم الخوارزمية في الرياضيات و علم الحاسوب، (مما اعطاه لقب ابي علم الحاسوب عند البعض)، حتى ان كلمة خوارزمية في العديد من اللغات (و منها algorithm بالانكليزية) اشتقت من اسمه.
2- قام الخوارزمي باعمال هامة في حقول الجبر و المثلثات والفلك و الجغرافية و رسم الخرائط. ادت اعماله المنهجية و المنطقية في حل المعادلات من الدرجة الثانية الى نشوء علم الجبر، حتى ان العلم اخذ اسمه من كتابه حساب الجبر و المقابلة، الذي نشره عام 830، و انتقلت هذه الكلمة الى العديد من اللغات (Algebra في الانكليزية).
3- تجميع و تطوير المعلومات في مجال الرياضيات وقد كانت موجودة مسبقا عند الاغريق و في الهند، فاعطاها طابعه الخاص من الالتزام بالمنطق. بفضل الخوارزمي، يستخدم العالم الاعداد العربية التي غيرت و بشكل جذري مفهومنا عن الاعداد، كما انه قذ ادخل مفهوم العدد صفر، الذي بدأت فكرته في الهند.
4- صحح الخوارزمي ابحاث العالم الاغريقي بطليموس Ptolemy في الجغرافية، معتمدا على ابحاثه الخاصة.
5- اشرف على عمل 70 جغرافيا لانجاز اول خريطة للعالم المعروف آنذاك
6- عندما اصبحت ابحاثه معروفة في أوروبا بعد ترجمتها الى اللاتينية، كان لها دور كبير في تقدم العلم في الغرب، عرف كتابه الخاص بالجبر اوروبة بهذا العلم و اصبح الكتاب الذي يدرس في الجامعات الاوروبية عن الرياضيات حتى القرن السادس عشر.
7- كتب الخوارزمي ايضا عن الساعة، الإسطرلاب، و الساعة الشمسية.
8- هو من وضع أسس حساب علم اللوغاريتم، ونسبة له سمي هذا العلم بهذا الاسم.
9- الخوارزمي أول من أطلق تسمية ”سهم” على الخط النازل من منتصف القوس على الوتر، وتوصل إلى حساب طول الوتر بواسطة القطر والسهم.
10- وضع طرقاً تطبيقية لمعرفة مساحة المسطحات ومساحة الدائرة ومساحة قطعة الدائرة ومساحة المثلثات، وتوصل إلى حساب حجم الهرم الثلاثي وحجم الهرم الرباعي وحجم المخروط.
11- وضع طريقة لضرب الجذور وطريقة لقسمتها بلغة العلم الحديث.
12- هو من أطلق تسمية ”الأعداد الصمَّاء” على بعض الأعداد، وتُرجم هذا التعبير حرفياً إلى اللغات العالمية.
13- وضع الخوارزمي مصطلحات لمعادلات من الدرجة الأولى والدرجة الثانية وأوجد حلولاً لها.
14- هو أول من أبدل علامة الحد (- أو ) عند نقلها من أحد جانبي المعادلة إلى الجانب الآخر، وأوجد طريقة الضرب، وشرح عملية ضرب الأقواس وتوصَّل إلى معرفة حاصل ضرب علامات الجمع والطرح (- ´ = -)، (- ´ - = )، ( ´ = ).
15- أظهر الخوارزمي مقدرة فائقة في فهم واستيعاب إمكانيات الجبر الواسعة واستطاع حل المسائل الهندسية بطرق جبرية، وتنبَّه للحالة التي يستحيل فيها إيجاد قيمة حقيقية للمجهول وسماها ”المسائل المستحيلة”، وبقي هذا المصطلح متداولاً في أوروبا حتى أواخر القرن الثامن عشر، إلى أن استبدل ”بالجذور التخيلية”.
16- برع بشرح كيفية إدخال الأعداد تحت علامة ( ?) وكيفية استخراجها من تحتها.
17- حدَّد قيمة النسبة التقريبية ? وجعلها 22/7، وأوجد طرقاً عديدة لم تكن معروفة في عصره لمعالجة المعاملات بين الناس (كالبيع والشراء والتأجير والإرث ومسح الأراضي..).
18- أسهمت مؤلفات الخوارزمي إسهاماً فعالاً في تطور الحضارة العلمية العالمية خاصة كتابه “الجبر و المقابلة” الذي له أهمية خاصة في تاريخ الرياضيات، حيث تُرجم هذا الكتاب إلى معظم اللغات العالمية وكان المرجع الأساسي لدارسي الرياضيات في الجامعات الغربية خلال القرنين الخامس والسادس عشر.
q=نة كتاب (حساب الجبر والمقابلة) للخوارزمي إلى اللغة اللاتينة في القرن السادس الهجري (الثاني عشر الميلادي) وظل كتاب الخوارزمي في الجبر معروفًا في أوروبا باللغة اللاتينية، ولكن في سنة 1247ه (1831م) عثر على نسخة باللغة العربية في مكتبة(بودلين) في اكسفورد في بريطانيا ونشرت بالحروف العربية في العام نفسه ليس فقط في أوروبا ولكن في العالم العربي والإسلامي.
لقد أوحى الخوارزمي بفكرة المحددة التي تعتبر من أهم موضوعات الجبر الحديث، ثم قام العالم الياباني (سيكي كاو) (1642 1708م) بتطويرها، وليس كما يدعي علماء الغرب من أن (ويلهم ليبنز) الألماني (1646 1716م) هو مبتكر المحددة، غير أن العالم الفرنسي (اوقستين لويس كوشي) (1789 1857م) عمم المحددة وطبقها على الحياة العلمية.  لقد استعمل الخوارزمي طريقة البنائية لإيجاد جذر المعادلة بكل نجاح، لذا فإن الخطأ بين موضوعين يعتبر من ابتكار الخوارزمي، وهذه الطريقة أدت دورًا مهمٌّا في التحليل العددي، وتعرف في اللغة الإنجليزية باسم False positions كما عرّف الخوارزمي الوحدة المستعملة في المساحات، واستخدم (التكسير) ويقصد بذلك المساحة، سواء كانت سطحية أو حجمية.. وأيضاً تطرق إلى إيجاد مساحات بعض السطوح المستقيمة الأضلاع والأجسام، والدائرة، والقطعة، والهرم الثلاثي والرباعي، والمخروط، والكرة، واستعمل النسبة التقريبية وقيمتها ط = 8/22 أو 10 لذا فإن الخوارزمي قد أثرى علم الجبر باستعماله بعض الأفكار الجبرية لمعرفة المساحة. كان يعرف أن هناك حالات يستحيل فيها إيجاد قيمة للمجهول (الكميات التخيلية) وسماها الحالة المستحيلة، وبقيت معروفة بهذا الاسم بين علماء الرياضيات حتى بدأ العالم السويسري المعروف ليونارد أويلر (1707 1783م) وعرف أويلر الكميات التخيلية بأنها الكمية التي إذا ضربت في نفسها كان الناتج مقدارًا سالبًا وأعطى كثيرًا من الأمثلة على هذا. ثم جاء العالم الألماني كارل قاوس (1777 1855م) فركز على دراسة الكميات التخيلية وخواصها وبلورها والجدير بالذكر أن الكميات التخيلية قادت في النهاية إلى معرفة التحليل المركب الذي يعتبر من أهم العلوم الرياضية في العصر الحديث.

الدولة الصفوية

أسس الشيخ صفي الدين الحلي (1252-1334 م) طريقته الصوفية في أردبيل (شمال شرق إيران، وجنوب أذربيجان) سنة 1300 م. أصبحت أردبيل عاصمة دينية ثم سياسية لأتباعه (مع تحولها إلى حركة سياسية). تحول أبناء هذه الطائفة منذ منتصف القرن الـ15 م إلى المذهب الشيعي. نجح الصفويون في الوصول إلى الحكم (على بعض المناطق) أثناء زعامة جنيد (1447-1450 م) ثم حيدر (1460-1488 م)، والذين استطاعا إنشاء تنظيم سياسي وتكوين وحدات خاصة من الجيش، أو القزلباش (كزلباشي أو الرؤوس الحمراء نسبة إلى التاج أو العمامة الحمراء التي يرتديها أتباع الطريقة الصفوية، وتربط العمامة بإثني عشرة لفة تلميحا للأئمة الإثنا عشر). تولى شاه إسماعيل (1501-1524 م) منذ سنة 1494 م زعامة التنظيم وقام بالدعوة إلى المذهب الشيعي. استولى على مناطق غيلان  (گيلان)، واصل سنوات 1499-1501 في توسعه حتى شمل كامل بلاد فارس (إيران). قام بطرد القراقويونلو سنة 1507 م واستولى العراق. أقر المذهب الشيعي الإثني عشري مذهبا رسميا للدولة. حاول أن يسوي بين الفئات التركمانية في الجيش (القزلباشي) والفئات من أصول إيرانية (الإدارة). انهزم أمام 
العثمانيين في موقعة خلدران (جيلدران) سنة 1514 م. توالت الحروب بينهم وبين العثمانيين على الحدود الغربية من البلاد من جهة، و بين الأوزبك (الشيبانيون في بخارى) على الحدود الشرقية من جهة أخرى. استطاع طهماسب (1524-1576 م) أن يحيَّد أعدائه عن طريق سياسته المتوازنة وتسويته للمشاكل الدينية. كما بدأ في عهده تشجيع حركتي الآداب والفنون. بعد مرحلة اضطرابات عديدة استقر حال الدولة أثناء عهد عباس الأول (1587-1629 م). قام الأخير سنة 1601 بضم البحرين (كامل الساحل الشرقي من جزيرة العرب). استولى على أذربيجان سنة 1603 م، ثم شيراز، أرمينية وأجزاء من أفغانستان سنة 1608 م. سنة 23/1624 م قام بضم العراق وكردستان مرة أخرى. داخليا قام بإصلاحات شاملة في الجيش واستعان ببعض من العبيد المسيحيين لقيادة هذا الجيش. عَمر مدينة أصفهان وجعل منها أهم مدن العالم في تلك الفترة. استطاع عن طريق سيطرته على الخليج الفارسي أن ينظم التجارة فانتعش اقتصاد البلاد. بعد موته خلفه على العرش حكام كانوا في الأغلب ضعيفي الشخصية. تم في الفترة إقرار العديد من المراسيم الخاصة بالقصور والتي تتعرض لواجبات الحاشية تجاه الشاه. عاشت الدولة مجدها الأخير أثناء عهد عباس (الثاني) (1642-1666 م)، والذي كثف من التبادل التجاري مع الدول الأوروبية عن الشركات التجارية العاملة في المنطقة، كما قام ببعض الإصلاحات الداخلية. قام عام 1648 م بضم أجزء جديدة من أفغانستان إلى دولته. عرفت اقتصاد البلاد مرحلة تقهقر متسارعة أثناء عهد شاه حسين (1694-1722 م) والذي تسبب في إثارة الطائفة السنية بعدما أظهر عدم التسامح في تعامله معهم وتعصبه الشديد للمذهب الشيعي. منذ سنة 1719 م بدأ زحف الأفغان (سنيين) والذين كان يحكمهم الغلزاي (گلزاي) على مملكة الصفويين. استولى هؤلاء على أصفهان سنة 1722 م، قاموا بخلع شاه حسين ثم أعدموه سنة 1726 م. حتى سنة 1736 قام الغلزاي (گلزاي) بإنشاء حكومة ظل صفوية (يمثلها شاه مجرد من السلطة). كانت السلطة الحقيقية في بلاد فارس يتقاسمها الزند والأفشريين حتى انتقلت بعدها إلى القاجاريين.

ابن بطوطة: 30 سنة من السفر

هو محمد بن عبد الله بن محمد الطنجي عرف بابن بطوطة (ولد في 24 فبراير 1304 - 1377م بطنجة) (703 - 779هـ) هو رحالة ومؤرخ وقاضي وفقيه مغربي لقب بأمير الرحالين المسلمين. ولد في طنجة سنة(703 هـ/1304 م) بالمغرب. اسمه الكامل هو أبو عبدالله محمد بن عبد الله بن محمد بن إبراهيم بن يوسف بن اللواتي الطنجي بن بطوطة بن حميد الغازي بن القريش العلي. درس في فتوته الشريعة وقرر عام 1325هـ وهو ابن 21 عاماً أن يخرج حاجاً كما أمل من سفره أن يتعلم المزيد عن ممارسة الشريعة في أنحاء بلاد الإسلام. وخرج من طنجة سنة 725 هـ فطاف بلاد المغرب ومصر والسودان والشام والحجاز والعراق وفارس واليمن وعمان والبحرين وتركستان وما وراء النهر وبعض الهند والصين الجاوة وبلاد التتار وأواسط أفريقيا. وإتصل بكثير من الملوك والأمراء فمدحهم - وكان ينظم الشعر - واستعان بهباتهم على أسفاره. عاد إلى المغرب الأقصى، فانقطع إلى السلطان أبي عنان (من ملوك بني مرين) فأقام في بلاده. وأملى أخبار رحلته على محمد بن جزي الكلبي بمدينة فاس سنة 756 هـ وسماها تحفة النظار في غرائب الأمصار وعجائب الأسفار. ترجمت إلى اللغات البرتغالية والفرنسية والإنجليزية، ونشرت بها، وترجم فصول منها إلى الألمانية نشرت أيضا. كان يحسن التركية والفارسية. واستغرقت رحلته 27 سنة (1325-1352 م) ومات في مراكش سنة 779 هـ/1377 م حيث يوجد ضريحه بالمدينة القديمة. تلقبه جامعة كامبريدج في 
كتبها وأطالسها بأمير الرحالة المسلمين الوطنيين. في أول رحلة له مر ابن بطوطة في الجزائر وتونس ومصر والسودان وفلسطين وسوريا ومنها إلى مكة. وفيما يلي مقطع مما سجله عن هذه الرحلة:   "من طنجة مسقط رأسي في" يوم الخميس 2 رجب 725 هـ / 1324 م "معتمدا حج بيت الله الحرام وزيارة قبر الرسول عليه الصلاة والسلام, منفردا عن رفيق آنس بصحبته, وركب أكون في جملته, لباعث على النفس شديد العزائم, وشوق إلى تلك المعاهد الشريفة... فجزمت نفسي على هجر الأحباب من الإناث والذكور, وفارقت وطني مفارقة الطيور للوكور, وكان والداي بقيد الحياة فتحملت لبعدهما وصبا, ولقيت كما لقيا نصبا. قام ابن بطوطة بثلاث رحلات وقد استغرق في مجموعها نحو ثلاثون سنة وكان أطولها الرحلة الأولى التي زار خلالها معظم نواحي المغرب والمشرق وكانت أطول إقامة له في بلاد الهند حيث تولى القضاء سنتين ثم في الصين حيث تولى القضاء سنة ونصف السنة وفي هذه الفترة وصف كل ما شاهده وعاينه فيهما وذكر كل من عرفه من سلاطين ورجال ونساء ووصف ملابسهم وعاداتهم وأخلاقهم وضيافتهم وما حدث في أثناء إقامته من حوادث.

أريحا تاريخ حي عشرة آلاف سنة من الحضارة

عرض  كتاب  أريحا تاريخ حي  عشرة آلاف سنة من الحضارة للدكتور الدكتور حمدان طه الوكيل
اعداد الباحث عباس نمر

أريحا عبر التاريخ

اشتهرت أريحا بكونها أقدم مدينة في العالم، وهي أيضاً أخفض بقعة على وجه الأرض، تقع على عمق 230 متراً تحت سطح البحر، ذكرت أريحا (أو ريحا باللغة الدارجة) في المصادر التاريخية والتوراتية القديمة، وقد ارتبط اسم تل السلطان بأريحا القديمة، كما اشتهرت المدينة بعدة أسماء: مدينة النخيل، جنة الله، مدينة القمر، مدينة العمالقة (الجبارين)، وعاصمة الغور، ومؤخرا، اكتشف اسم أريحا محفوراً على أحد الجدران من الألف الثاني قبل الميلاد .

الموقع

تقع أريحا في أخفض نقطة من وادي الأردن، على بعد عشرة كيلومترات غرب نهر الأردن، واثني عشر كيلومتراً شمال البحر الميت، وهي جزء مما يعرف بوادي الصدع العظيم (الشق الآسيوي الإفريقي)، والذي يبدو واضحا على سطح الأرض ويمتد من شمال سوريا إلى شرق إفريقيا، ويشكل وادي الأردن أعمق جزء فيه، وقاع وادي الأردن هو إلى حد كبير نتاج فترة البلايستوسين، وقد تشكلت أراضي الغور عبر سلسلة من الرواسب البحرية من بحر تيثس القديم . يعتبر وادي الصدع العظيم، الذي يتشكل من البحر الميت وموقع أريحا، جزءاً من خط صدع جيولوجي، منطقة غير مستقرة، وربما تمثل الذاكرة التوراتية الأسطورية عن دمار سدوم وعمورة، إيحاءً متأخراً للأحداث الجيولوجية التي وقعت في الماضي .

ينابيع أريحا
تتكون منطقة أريحا من سهول جافة، ترويها ثلاثة ينابيع رئيسية هي عين السلطان وعين الديوك وعين النويعمة، وإلى الجنوب الغربي من أريحا تجري مياه نبع وادي القلط، وهناك عين الفوار وعين الفارة التي تقع على بعد بضعة أميال غرب أريحا، إلى الجنوب من أريحا تجري المياه عبر وادي النويعمة، هذه التركيبة من التربة الغرينية والينابيع دائمة الجريان والمناخ الاستوائي جعلت من أريحا مكانا جذابا لاستقرار البشر .

مكانة أريحا

في الروايات الدينية والتاريخية، تراوحت مكانة أريحا ما بين كونها أرضاً مباركة إلى كونها أرض الكوارث، تاريخياً، تعتبر أريحا أقدم مدينة في العالم حيث شهدت نشوء المجتمعات المستقرة الأولى
التي اعتمدت على تدجين النباتات والحيوانات، وكانت مركزاً لثورة العصر الحجري الحديث في التاريخ البشري .

أول مدينة حضرية
في بداية الألف الثالث ق.م، تأسست أول مدينة حضرية على تل السلطان، وفي العصر البرونزي الوسيط، ازدهرت أريحا كمركز حضري كنعاني هام في فلسطين، وقد ارتبطت أريحا بسلسلة من القصص في الإنجيل، ومنها قصة سدوم وعمورة، وقصة استيلاء يوشع على أريحا، وقصة نبع أليشع، وأخرى غيرها .

منذ القدم وأريحا مشتى

منذ الفترة الفارسية وما بعدها، عرفت أريحا كمنتجع شتوي للحكام والأثرياء في فلسطين، ويبدو أنها كانت جزءاً من ممتلكات الحكومة في عهد الإسكندر الفاتح العظيم .

أريحا في فترة ميلاد المسيح

في الفترة الهلنستية وبداية الفترة الرومانية، شهدت منطقة أريحا مولد المسيحية وأحداث  ذات صلة ارتبطت بيوحنا المعمدان، ويسوع المسيح، والأسينيين، في القرن الأول بعد الميلاد، قدم المؤرخان بليني سترابو ويوسيفوس وصفا مفصلا لمدينة أريحا ومحيطها .

انطونيو وكليوبترا

مر عدد من الجنرالات الرومان عبر أريحا، ومنهم الجنرال السوري باتشيديس والجنرال بومبي، اللذان حصنا المدينة، وفي ظل حكم غابينيوس، حظيت أريحا بمنزلة إدارية كمركز للحكم، كما شهدت أريحا قصة الحب الشهيرة بين أنطونيو وكليوبترا، وفقاً ليوسيفوس، قدم أنطونيو بساتين البلسم في أريحا إلى كليوبترا، وقد استأجر منها هيرودس العظيم البساتين حتى استطاع استعادتها مرة أخرى.

مدينة الحدائق

كانت أريحا مقراً لإقامة الملك هيرودس، الذي أعاد بناءها كمدينة حدائق بمحاذاة ضفاف وادي القلط، وتضمنت مشاريعه التنموية بناء سلسلة من القصور البديعة، ومسرحاً وحلبة لسباق الخيل، بالإضافة إلى إنشاء نظام مائي يتألف من قنوات وجسور مائية.
كان وادي الأردن بأسره محمياً بسلسلة من القلاع التي أقيمت على رؤوس التلال المحيطة بالسهول بسبب أهميته الإستراتيجية، وبعد وفاة هيرودس، أصبحت أريحا من ممتلكات الإمبراطورية الرومانية، وقد أقام هيرودس قلعة على قمة تل العقبة، أطلق عليها اسم أمه، وعرفت بقلعة كيبروس.

المسيح عليه السلام ومروره من أريحا

خلال الفترة البيزنطية، ارتبط اسم أريحا بعدد من القصص المتعلقة بالمسيح، فقد مر في أريحا، وقام بشفاء رجلين كفيفين وألهم جامع الضرائب زكا العشّار للدخول في الدين الجديد، وارتبطت معجزات السيد المسيح بجبل قرنطل، وموقع المغطس وقصة السامري الصالح . منذ القرن الرابع الميلادي وما تلاه، أصبحت أريحا وجهة دينية رئيسية، العديد من الحجاج والرحالة وثقوا رحالتهم إلى المدينة، في العام 333 ميلادية، وصف الرحالة الفرنسي بوردو مدينة أريحا القديمة والحديثة، كما كتب الأسقف آركلف عن المدينة حوالي العام 700 م. ازدهرت أريحا خلال الفترة البيزنطية، وتظهر الأدلة على ذلك في المستوطنات البشرية والكنائس والأديرة، كما صورت أريحا في خريطة مادبا، وظهرت على الخريطة الكنيسة ومدينة النخيل، وتظهر المصادر التاريخية والأثرية الحياة المزدهرة خلال الفترة البيزنطية، كما أن المصادر الأدبية وروايات الرحالة والحجاج والنقوش تزودنا بمعلومات هامة عن كافة جوانب الحياة في الفترة البيزنطية .

ازدهار أريحا في الحكم الأموي

ذُكرت أريحا في القرآن الكريم، الذي أشار إليها بوصفها "مدينة الجبارين". خلال فترة الحكم الأموي ( 661 - 750 ) كانت أريحا جزءا من جند فلسطين، وقد ازدهرت خلال هذه الفترة، الدليل على هذا الازدهار يظهر جليا في القصر الأموي الذي يعود للقرن الثامن الميلادي في خربة المفجر، وتبعاً لبعض الكتابات يُنسب القصر للخليفة الأموي هشام بن عبد الملك ( 724 - 743 ) وخليفته الوليد الثاني ( 743 - 744 م). لم يكن ذلك القصر مكان الإقامة الرسمي للخليفة، بل كان يستخدم كمنتجع شتوي، دُمِّر القصر الرائع، الذي لم يكتمل بناؤه تماماً باستثناء الحمام، خلال هزة أرضية قوية ضربت منطقة أريحا حوالي العام 749 م، وأعيد استخدامه خلال الفترة العباسية والأيوبية، جرت تنقيبات في الموقع خلال الفترة ما بين عامي 1935 - 1946 م، تحت إشراف ديمتري برامكي وروبرت هاملتون، وأيضاً في العام 2006 م تحت إشراف الدكتور حمدان طه، وقام الأمويون بترميم نظام المياه وكذلك قاموا بإنشاء قنوات جديدة عبر وادي النويعمة لتزويد قصر هشام بالمياه ولري الحقول التابعة له والمحيطة به .

أريحا عاصمة الغور

ذُكرت أريحا ووادي الأردن في مصادر عدة من العصور الوسطى المبكرة والعربية والإفرنجية، وصف اليعقوبي أريحا بأنها عاصمة الغور، أما المقدس ، المتوفي عام 985 م، وابن حوقل، المتوفي عام 977 م، فقاما بوصف زراعة قصب السكر، وأشجار النخيل، وصباغ النيلة، والنباتات التي تستخدم في صناعة مستحضرات التجميل . وفي العام 1116 م، وردت إشارة عامة عن طاحونة للسكر في أريحا.

أريحا وصناعة السكر

في العصور الوسطى، كانت زراعة قصب السكر وصناعته واحدة من النشاطات الاقتصادية الرئيسية في أريحا، وقد عثر على عدد لا يستهان به من طواحين السكر في تنقيبات وادي الأردن، وهي اكتشافات تدعمها المصادر التاريخية والأدلة الأثرية، وكان موقع "طواحين السكر" يمثل منشأة صناعية لصناعة السكر محفوظة بصورة جيدة نسبياً، البقايا المكتشفة تتألف من قناة، ومكبس، ومبنى الطاحون، ومصفاة، وفرن، ومطبخ، ومستودع، للتخزين، جرى التنقيب في موقع طواحين السكر على موسمني في عام 2001 م، تحت إشراف د. حمدان طه، وفّرت التنقيبات معلومات جديدة عن صناعة السكر في وادي الأردن، وقد عثر على عدد لا يستهان به من القطع الأثرية من ضمنها أوعية للسكر، ومصابيح، وقطع معدنية وزجاجية، وعملة معدنية، ويعود تاريخ نظام الطاحونة إلى الفترات الصليبية، والأيوبية، والمملوكية. يعود اهتمام العلماء والباحثين بمدينة أريحا إلى بداية القرن الثامن عشر وذلك مع اكتشافات عالم النبات السويدي هاسلكفيست في العام 1751 م، وريتشارد بوكوك في العام 1754 م، ودبليو ويلسون، وجي ويلسون في العام 1847 م، وقد قام أولريخ غاسبرسيتزن بزيارة أريحا في العام 1808 م، كما زارها كل من سي.إربي، وجي.مانجلس في 1818 م، وزارها جي.بوكنغهام في العام 1821 م، وفي العام 1841 م، وصف إي.روبنسون وجي.سميث المواقع الأثرية وحددا موقع تل السلطان بأنه أريحا القديمة، لكن أول كشف أثري كبير قام به تشارلز وارن في العام 1864 م، وذلك لحساب صندوق استكشاف فلسطين، تلك التنقيبات الموجزة شكلت بداية الأبحاث الأثرية لتل السلطان، في "مسح غرب فلسطين" ( 1983 م)، عُرفت أريحا القديمة بتل السلطان، كما عُرفت أريحا اليونانية-الرومانية بمنطقة تلول أبو العلايق على ضفاف وادي القلط .
استفادت المدينة من مواردها الطبيعية والبشرية، وأرضها الخصبة، ومناخها الدافئ بالإضافة إلى موقعها الاستراتيجي قرب نهر الأردن، وشكلت الزراعة والسياحة الموارد الأساسية للمدينة .

الاستقرار المبكر

يمثل تل السلطان الذي يقع في أريحا أول بقعة للاستقرار والسكن في العالم ، ويقع في أخفض بقعة في وادي الأردن على بعد حوالي عشرة كيلومترات الى الشمال من البحر الميت و 250 متراً تحت سطح البحر ، ويعود تاريخه إلى العصر الحجري الحديث وهو أقدم مدينة في العالم وأكثرها انخفاضاً عن سطح البحر يبلغ ارتفاع التل الأثري حوالي 21 متراً ومساحته حوالي الفدان ، ويقع الموقع قرب نبع عين السلطان الدائم الجريان ووسط أراض خصبة من التربة الغرينية وهي تصلح لزراعة المحاصيل الصيفية الاستوائية والشتوية المعتدلة .  يعود تاريخ بداية الاستكشافات الى القرن التاسع عشر وذلك مع أول كشف أثري كبير قام به تشارلز وارن في العام 1864 م وذلك لحساب صندوق اكتشاف فلسطين ، أول تنقيبات واسعة النطاق أجرتها بعثة نمساوية  ألمانية في الفترة من 1907 إلى 1909 م وذلك تحت إشراف أي سيلين وسي واتزنجر. كشفت التنقيبات عن جزء من نظام تحصينات يعود إلى العصر البرونزي المبكر والوسيط ، الحملة الثالثة كانت بإشراف جيغارستانج وامتدت من العام 1930 إلى 1936 ، كانت التنقيبات أكثر ضبطاً لكن غارستانج أرخ خطأ التحصينات التي تعود إلى العصر البرونزي ، والتنقيبات الرابعة قامت بها كاثلين كينيون ما بني 1952 إل ى 1958 ، وأسفرت عن تحديد التاريخ الطبقي للموقع بصورة دقيقة ونشرت نتائج التنقيبات في خمسة مجلدات . في العام 1997 م بدأت دائرة الآثار والتراث الثقافي الفلسطينية مشروعا أثرياً طويل الم دى للتنقيب في تل السلطان بالتعاون مع جامعة (لاسابيزا) في روما ، وتحت ادارة الدكتور حمدان طه و لنيجرو ، نماركيتي ، وسلطت الحملة الضوء على التخطيط الحضري والتسلسل الطبقي والحضارة المادية للمدينة من العصر البرونزي عندما كانت أريحا واحدة من أوائل المراكز الحضرية في المشرق بأسره والعاصمة الكنعانية الرئيسية على الطريق الواصلة بين سوريا وفلسطين .

الفترة النطوفية ( 10500 - 8500 قبل الميلاد)
تعود أقدم الدلائل الأثرية التي عثر عليها في الموقع إلى الفترة النطوفية وكانت من الصوان والعظم هذه المواد كانت تعود إلى الصيادين النطوفيين الذين أقاموا قرب تل السلطان ما بين الألف العاشر والألف الثامن قبل الميلاد كما عثر على بقايا هياكل عظمية في الطبقة التي تعود الى العصر الحجري الوسيط .

فترة العصر الحجري الحديث ( 4600-8500 قبل الميلاد )

تم توثيق مستوطنة صغيرة تعود إلى العصر الحجري الحديث ، كانت تتكون من منازل مستديرة مبنية من اللبن الطيني ومحاطة بسور ما زال محفوظا في مقطع واحد ويصل ارتفاع أقصى نقطة فيه إلى 5.75 متراً ، والى القرب منه برج حجري دائري يمثل أقدم نموذج تحصين في العالم ويعتبر اقدم جزء لا يزال قائماً من الألف الثامن قبل الميلاد وهناك مجموعة متصلة من الأدراج التي تقود من المدينة الى ذلك البرج الضخم ومن المحتمل ان المزارعين الأوائل في تل السلطان استعملوا نظاماً بسيطاً للري في حقولهم ، وقد قدر عدد السكان في تلك القرية بحوالي 2000 نسمة  عثر على ست مجموعات من الجماجم من ضمنها 33 جمجمة تعود الى هذه الفترة وتظهر بداية ممارسة معالجة الجماجم بعد الموت .
تعرف هذه المرحلة بالعصر الحجري الحديث ما قبل الفخاري (أ) وتؤرخ من نهاية الألف التاسع قبل الميلاد وحتى النصف الثاني من الألف الثامن ، كان الموقع مهجوراً لفترة من الزمن وهذه الفترة تلتها مرحلة ثانية تعرف باسم العصر الحجري الحديث ما قبل الفخاري (ب) والتي تؤرخ ما بين النصف الثاني من الألف الثامن قبل الميلاد ومطلع الألف السادس قبل الميلاد .
يمكن تمييز البيوت العائدة لتلك الفترة من شكلها المستطيل وكانت تتألف من غرفة كبيرة وعدد من الغرف الصغيرة ، البيوت مبنية من اللبن المتطاول المزين برسومات على شكل هيكل عظمي لأسماك وكانت الأرضيات طينية مرصوصة كما أن القرية لم تكن مسورة وبني السور في مرحلة لاحقة وحددت بعض المعالم التي تدل على ممارسة طقوس دينية من ضمنها حوض من الجص ولكن أبرز الممارسات الطقوسية تتمثل بالجماجم المكسوة بالجص كانت تصنع فيه نماذج للوجوه ويتم تلوينها ، الجماجم المكتشفة كانت مدفونة تحت أرضيات الغرف في منطقة المعيشة .  هذه الممارسة جرى تفسيرها باعتبارها دليلاً على عبادة الأسلاف كما أسفرت التنقيبات عن بقايا مئات من الهياكل العظمية التي تعود للعصر الحجري الحديث ما قبل الفخاري والعصر الحجري الحديث ما بعد الفخاري وترتبط بالمنطقة السكنية ، بعد فترة هجر طويلة للموقع اعيد السكن في فترة العصر الحجري الحديث الفخاري ، عندما ك ان الناس يعيشون في حفر في الأرض في أريحا لم يعثر خلال التنقيبات في المنطقة السكنية على بقايا أي هياكل عظمية بشرية لا من العصر الحجري ما قبل الفخاري ولا من العصر الحجري الحديث ما بعد الفخاري ، عدم وجود المدافن ربما يوحي بأنه لم يكن يتم دفن الموتى رسمياً ، أو ربما كانوا يدفنون في مدافن خارجية، والمزارعون من تل السلطان كانوا أول من قام بإنتاج الفخار وذلك استجابة لحاجتهم المتزايدة للتخزين وتبعاً للزينة على الأواني الفخارية ويمكننا تمييز ثلاث مراحل من الإنتاج المبكر للأواني الفخارية .
تشكل فترة العصر الحجري في تل السلطان نقطة تحول في تاريخ البشرية والانتقال من نمط العيش القائم على الصيد والجمع في فترات ما قبل التاريخ الى نمط استقرار جديد قائم على تدجين النباتات والحيوانات في مجتمع مستقر ليس فيه ترحال ، فائض الإنتاج الزراعي أتاح للإنسان بعضاً من الوقت الذي كان فيما مضى مكرساً لتأمين الطعام وأتاح له فرصة بناء بيت وتزيينه ، الحضارة المادية لتلك الفترة تشير الى درجة من التعقيد الاجتماعي في مجتمع العصر الحجري الحديث .

العصر الحجري النحاسي (4600 - 3200 قبل الميلاد )

لم يعثر على دلائل سكن من العصر الحجري النحاسي في تل السلطان نفسه بل جاءت الأدلة على الأغلب من المدافن وقد كتبت كاثلين كينيون تقول (إن هناك فجوة ما بين العصر الحجري الفخاري والمرحلة التالية في اريحا ربما تغطي فترة الحضارة الغسولية ) ويمكن تحديد تلك الفجوة بمرحلة تآكل عادية وتوقف تام لمظاهر الحضارة المادية ، وخصوصاً صناعة الفخار كان الناس في تلك الفترة يدفنون موتاهم في قبور محفورة في الصخر وينتجون اشكالاً مختلفة من الفخار وقد أطلقت كينيون على هذه الحضارة فجر التمدن ، لأنها سبقت الحضارة المدنية للعصر البرونزي المبكر . في منطقة أريحا تم مسح وتوثيق بقايا مواقع مختلفة كانت تعود الى العصر النحاسي ، وفي موقع تلول أبو العاليق عثر على فخار يعود الى العصر الحجري النحاسي في تنقيبات قام بها وليام همورتون في العام 1951 وكان تاريخها يعود إلى أواخر العصر الحجري النحاسي وهذه الفترة توازي الفجوة في الترتيب الزمني بين الطبقات الثامنة والسابعة في تل السلطان ، في العام 1994 عثر على بقايا من العصر الحجري النحاسي في تنقيبات قام بها الدكتور حمدان طه في موقع صوانة الثنية إلى الغرب من تل المفجر وكانت البقايا تشتمل على حفر وصوامع وبقايا سطحية لجدران من اللبن . لكن الادلة الرئيسية على الاستيطان في العصر الحجري النحاسي في اريحا تم الكشف عنها مؤخرا في تل المفجر الذي يقع على بعد كيلومترين الى الشمال من مركز مدينة أريحا على بعد حوالي 200 متر الى الجنوب من القصر الأموي في خربة المفجر قام بالتنقيب في الموقع كل من ديمتري برامكي وروبرت هاملتون في ثلاثينيات وأربعينيات القرن العشرين ويمتد التل حوالي 150 متراً الى الشمال والجنوب على امتداد الضفة الشمالية لوادي النويعمة . هذا وتشير البقايا الفخارية المكونة من كسر فخارية تم العثور عليها إلى محدودية المهارات في صناعة الفخار في العصر الحجري النحاسي والأواني الفخارية في معظمها مصنوعة يدوياً كالزبادي والأكواب وجرار بفوهة واسعة وشربات وجرار ذات صنبور وأحواض وكؤوس وأوعية بقاعدة وعثر على رسم يمثل على الأغلب غزالاً على كسرة فخار تعود الى العصر الحجري النحاسي كما عثر على مجموعة من التماثيل الصغيرة مصنوعة من الطين المشوي في الموقع وكشف النقاب ايضاً عن أكثر من خمسة وثلاثين من تماثيل الحيوانات المصنوعة من الفخار . كما وعثر على كميات كبيرة من الأدوات الصوانية خلال الموسم الأول من التنقيبات في تل المفجر معظم المواد الحجرية مصنوعة من انواع مختلفة من الصوان باستثناء بعض الأدوات الصغيرة الدقيقة وقطعا من الحجارة الكبيرة المصنوعة من البازلت والحجر الجيري كما كشفت الحفريات عن عدد من الجعران وعثر على تشكيلة واسعة من اللقى الحجرية الصغيرة والكبيرة من ضمنها أحواض وزبديات بأحجام مختلفة . وعثر على عدد كبير من الادوات المصقولة المصنوعة من العظام في تل المفجر بما في ذلك المخارز والمثاقب والأزاميل وثمة أدلة على صناعات متخصصة من العصر الحجري النحاسي في تل المفجر ويتضح هذا من الخرز والأدوات المصنوعة من العظام وعثر على عدد من فلكات المغازل خلال هذه الموسم ولم يتم العثور على أي معادن ، وكشف النقاب عن كمية كبيرة من عظام الحيوانات محفوظة بحالة جيدة نسبياً وأشارت الدراسة الأولية لهذه العينات الكبيرة من العظام الى انواع مختلفة من الحيوانات خراف وماعز وماشية وخنازير وغزلان وكلاب وأصداف لرخويات وكان بالإمكان ملاحظة الأسلاف البرية للحيوانات المدجنة . الى جانب التنوع الغني من عظام الحيوانات عثر على بقايا أجنة بشرية وجمجمة شخص بالغ في المكان نفسه وعثر على جنين داخل جرة ما يشير الى ممارسة الدفن داخل الجرار تحت الأرضيات السكنية وهي عادة دفن معروفة في مواقع أخرى تعود للعصر الحجري النحاسي بما في ذلك تل يلات الغسول وتل أبو حامد  إن السمات الرئيسية للثقافة المادية للعصر الحجري النحاسي في تل المفجر هي الحفر والصوامع الدائرية التي تتألف من سلاسل متصلة من الحجارة والحصى وتتميز ايضاً بكم وفير من عظام الحيوانات وتماثيل صغيرة من الصلصال وفي بعض الأحيان جرار فخارية لدفن الأطفال الرضع .  تشير الحضارة المادية الى اقتصاد يعتمد في المقام الأول على الزراعة مقرونة بتربية الخراف والماعز والحيوانات الكبيرة وبينت التنقيبات أن تل المفجرهي المستوطنة الرئيسية في منطقة أريحا في العصر الحجري النحاسي دون أدنى شك ، الموسم الثاني من التنقيبات بداء في العام 2003 في حقلين رئيسين الأول الى الغرب من الطريق والثاني الى الشرق من الطريق قريباً من مركز الموقع .

أريحا في مرحلة التمدن
العصر البرونزي المبكر (3200 - 2300 قبل الميلاد)
تتميز هذه الفترة بظهور أول مجتمع مدني في العصر البرونزي المبكر وتتمثل في إقامة مراكز حضرية كبيرة تعتمد على الزراعة والتجارة مثل دول المدن الكنعانية ، وهي الفترة التي شهدت اختراع الكتابة في بلاد ما بين النهرين وفي مصر لكن لم يكن هناك أي دليل على العثور على كتابة في فلسطين خلال تلك الفترة وقد تطورت حضارة العصر البرونزي المبكر عن حضارة فجر التمدن في أريحا وقد تميزت هذه الحضارة بنظام التحصينات وبينت الثقافة المادية وجود اتصالات ثقافية مع مصر في العصر البرونزي المبكر الأول ويتضح هذا من خلال حجر أسود نحتت عليه بعض الخطوط عثر عليه في تل السلطان واشتملت قبور العصر البرونزي المبكر على بعض القطع الأثرية النحاسية ، أقدم البقايا من العصر البرونزي كشف عنها ف ي شمال المنطقة الوسطى من التل حيث تم الكشف عن سلسلة من مراحل البناء احتوت تلك الطبقات على قدر قليل من البقايا المعمارية وتمثلت طبقات العصر البرونزي المبكر الثاني والعصر البرونزي المبكر الثالث في أرضيات وصوامع من اللبن ، أما الاستقرار في العصر البرونزي الثالث فيستدل عليه بظهور فخار خربة الكرك وهو الفخار المحزز والمدهون باللونين الأحمر والأسود . خط سور مدينة العصر البرونزي نشاهده على الجانبين الشمالي والغربي من التل ، لم يكشف عن السور الشرقي للمدينة بعد لكن المنطقة المسورة من مدينة العصر البرونزي تغطي مساحة ثمانية هكتارات وهي على الأغلب أقل مساحة من مدينة العصر الحجري الحديث ما قبل الفخار والمقدرة بعشرة هكتارات .
خلال العصر البرونزي المبكر حوالي العام 3000 قبل الميلاد تأسست أول مدينة وكانت محصنة بأسوار مزدوجة من اللبن الطيني مع أبراج وأبنية متداخلة ملاصقة لها وتظهر ثلاثة أعمال إعادة بناء رئيسية في الفترة ما بين 3000 إلى 2350 قبل الميلاد ، تلك التحصينات المهيبة المبنية من اللبن الطيني لا تزال ظاهرة للعيان على الأرض ، وتبلغ أبعاد المدينة المستطيلة 250 مترا طولاً و 90 متراً عرضاً .  في العصر البرونزي المبكر الثاني تطورت أريحا لتصبح مركزاً حضرياً رئيسياً تم تمييز عدة مراحل بناء في منطقة التحصينات غرب التل وكشف عن عدد كبير من المقابر العامة من هذه الفترة وعثر في أحد القبور على أكثر من مئة جمجمة ، بالنسبة للعصر البرونزي المبكر الثاني والثالث ( 3000 - 2300 قبل الميلاد ) كشفت التنقيبات الجديدة عن حي سكني في الجزء الغربي من المدينة .

الفترة الانتقالية ما بين العصر البرونزي المبكر والوسيط ( 2300 - 2000- قبل الميلاد)

يمكن وصف المرحلة الانتقالية ما بين العصر البرونزي المبكر والعصر البرونزي الوسيط ، بأنها فترة سيطرت عليها جماعات الرعاة الرحل إذ لم يتم الكشف عن أي مبنى دائم وعزت كينيون التغيير في نهاية
العصر البرونزي إلى قدوم الأموريين وهي جماعات رعوية وقد استخدم تل السلطان كمكان للتخييم من دون أي بقايا معمارية ذات قيمة .

العصر البرونزي الوسيط ( 2000 - 1550- قبل الميلاد)
بعد فترة انتقالية تميزت بمساكن مؤقتة تطورت الحياة المدنية مجدداً في العصر البرونزي الوسيط الثاني وكانت استعادة الحياة الحضرية عملية بطيئة وتمثلت الحياة في هذه الفترة بنمط الاستيطان والتخطيط العمراني للمدينة والمباني العامة والتطورات التقنية وبقايا المقابر وكشفت التنقيبات عن جزء مهم من مدينة أريحا في العصر البرونزي الوسيط الثاني ( 1800 1550 قبل الميلاد) وفي القرن الثامن عشر قبل الميلاد شيدت المدينة نظام تحصينات ضخماً . يتألف نظام التحصينات من سور ضخم بني من الحجارة والمواد العازلة بني عليه سور سمكه متران .  تحتفظ قبور العصر البرونزي الوسيط في أريحا بشهادة فريدة عن نمط الحياة المحلية من خلال القطع الأثرية مثل الأوعية الفخارية والمقتنيات الشخصية والأثاث ، تتألف البقايا الأثرية التي عثر عليها في القبور من أوعية فخارية وأوعية خشبية ووسرير وكرسي وطاولات وسلال ومشط خشبي ووتد ذي عقدة وبعض الأشياء الذهبية ، واستخدمت أنواع مختلفة من الأخشاب المحلية بما في ذلك أخشاب أشجار الطرفاء ، والصفصاف والكرز البري والزعرور ، واستخدمت أوراق شجر النخيل لحياكة الأكياس والحصر ، وترك اللحم والشراب في القبر للموتى ، وعثر على فواكه في القبور تشمل الرمان والتمور والأعناب ، تعتبر فخاريات العصر البرونزي الوسيط الثاني من ضمن أجمل المشغولات الفلسطينية كلها وشهدت تلك الفترة اختراع الدولاب السريع الذي يستخدم في صناعة الفخار .

العصر البرونزي المتأخر (1550 - 1200 قبل الميلاد)

كانت المدينة شبه مهجورة في أواخر العصر البرونزي المتأخر ( القرن الرابع عشر قبل الميلاد) ويعتقد بأن التل لم يكن مأهولاً حتى القرن الرابع عشر قبل الميلاد ، والأدلة الأثرية من العصر البرونزي المتأخر في تل السلطان شحيحة للغاية .

العصر الحديدي والفترة الفارسية ( 1200 - 333 قبل الميلاد)

تنسب بعض القضايا الضئيلة للغاية للعصر الحديدي وفي الفترة الفارسية في العصر الحدي دي الثاني ( 900  700 قبل الميلاد) شيدت مبان ضخمة عند السفوح الشرقية قرب الينبوع ، عثر أيضاً على بعض المكتشفات الضئيلة مكونة من مقابض جرار مختومة من الفترة الفارسية ، وكان موقع تل السلطان قد هجر تماماً في نهاية الفترة الفارسية وتمثلت الفترات اللاحقة ببعض القبور الرومانية وفي منشآت مائية قرب عين السلطان .

مدينة الحدائق

أريحا في الفترات الهلنستية والرومانية ( 333 قبل الميلاد  - 324 م) بعد هجر تل السلطان بالكامل عند نهاية الفترة الفارسية ، انتقل مركز أريحا القديمة إلى تلول أبو العلايق في الفترة اليونانية  الرومانية . توسعت أريحا كمدينة بساتين على نطاق واسع على امتداد وادي القلط ، على بعد حوالي ستة كيلومترات جنوب تل السلطان ، أنشئت شبكة من قنوات المياه وقنوات جر  المياه حيث استغلت مياه الينابيع القريبة ، عين السلطان ، والنويعمة ، والديوك ، ووادي القلط وينابيع العوجا ، ينسب الموقع إلى أريحا اليونانية  الرومانية  التي ذكرها ووصفها مؤرخو الفترات الهلنستية والرومانية مثل سترابو ، وبيليني ، ويوسيفوس ، وكانت المنتجع الشتوي لعائلة هيرودس.
ووفقاً ليوسيفوس أعطى مارك انتوني بساتين البلسم في أريحا إلى كيلوباترا التي أستأجرها هيرودس منها إلى أن تمكن من استعادتها وكان كل من بومبي وفيسباسيان يعرضان البلسم في روم ا بعد سيطرتهما على فلسطين . كشفت التنقيبات اتساع حجم المدينة في الفترة الهلنستية المتأخرة والفترة الرومانية المبكرة ، وكشف عن قصور الفترة الهلنستية المتأخرة التي قام ببنائها جون هيكرانوس في التل الشمالي ، فقد بنى مجمعاً كاملاً فيما بعد إلى الشرق مع بركتي سباحة رائعتين ، وساحات مرصوفة وحدائق . في مرحلة البناء الرئيسية الأخيرة إلى الجنوب تم بناء فيلتين ( القصرين التوأمين ) حسب التصميم نفسه وأشتمل القصر الهلنستي على منشآت استحمام مختلفة ، وقد استبدل هذا القصر بثلاثة قصور متعاقبة بناها هيرودس العظيم وتم الكشف عن منطقة صناعية كبيرة يعود تاريخها إلى أواخر الفترة الهلنستية وبداية الفترة الرومانية في المنطقة الشمالية ، وعثر على سلسلة من المنشآت الصناعية في هذه المنطقة احتوت على برك ، وأفران ، وأرصفة للمشاة ، وقنوات تصريف ، ومبنى مربع الشكل لتخزين السوائل وتلك المنشآت ربما كانت جزءاً من عملية زراعة البلسم والكاكا التي وردت في العديد من المصادر التاريخية .

خربة قمران

يرتبط أحدى أهم الاكتشافات الأثرية في منطقة أريحا بخربة قمران ، ويقع هذا الموقع على الجانب الغربي من البحر الميت حوالي عشرين كيلومترا إلى الجنوب من أريحا ، على نتوء صخري في التربة الرسوبية المحاذية للبحر ، يحدها من الجنوب وادي قمران ووديان إلى الشمال والغرب ، وتقع قمران على بعد ميل واحد إلى الغرب من البحر الميت وقد عرف بعض الباحثين الموقع بأنه ( مدينة الملح ) المذكورة في الكتاب المقدس وكان مسكوناً بشكل رئيسي خلال الفترة اليونانية  الرومانية ( 150 قبل الميلاد  68 ميلادية ) ، يحتوي الموقع على سلسلة من المباني تشتمل على مرافق عامة ونظام مائي ، ومكتبة ومقبرة كبيرة ، أما مجتمع قمران فهو يتطابق بشكل عام مع جماعة (الأسينيين) وهي طائفة دينية متنسكة عاشت في عزلة في منطقة غرب البحر الميت .  الكشف الاستثنائي لموقع قمران حدث بالصدفة عندما اكتشف راع فلسطيني اسمه محمد الذيب في العام 1947 م مخطوطات البحر الميت في الكهف رقم واحد ، جرى التنقيب في الكهف عام 1949 م على يد بعثة مشتركة مكونة من دائرة الآثار الأردنية ومتحف الآثار الفلسطيني والمدرسة الإنجيلية الفرنسية للآثار في القدس وتمت اكتشافات مماثلة في العديد من الكهوف في الفترة من 1952 - 1956 م ويتكون الموقع من مجمع ضخم من المباني بما في ذلك مرافق عامة ونظام مائي متطور ومكتبة ومقبرة ضخمة وسلسلة من الكهوف على طول المنحدر ، وتتألف المخطوطات من نسخ من الكتاب المقدس والأدب الأبوكريفي وكتابات الطائفة بما في ذلك التعليقات ونظام حكم المجتمع ومخطوطة عن حرب أبناء النور ضد أبناء الظلام ووثيقة دمشق ، ومخطوطة تتكون من لفافتين من النحاس وجدت في الكهف رقم ثلاثة ويعود تاريخ هذه المخطوطات إلى ما بين القرن الثاني قبل الميلاد وعام 68 ميلادية لكن معظمها من القرن الأول قبل الميلاد.