***

بحث هذه المدونة الإلكترونية

جارٍ التحميل...
***

الثلاثاء، 11 نوفمبر، 2014

أبيات سديف التحريضية

لما تناهت أيام بني أمية وانقضت دولتهم وأفضت الخلافة إلى بني العباس، وولى منهم السفاح- وهو ابن الحارثية- اتصل الخبر بسديف وهو إذ ذاك بمكة، فاستوى على راحلته وتوجه نحو أبي العباس- وكان به عارفاً- فلما وصل إليه قال له: من أنت؟ قال: أنا سديف بن ميمون. قال: مولاي سديف؟ نعم يا أمير المؤمنين، ثم هنأه بالخلافة، ودعا له بالبركة، وأنشده قصيدة التي أولها:

 أصبح الملك ثابـت الآسـاس بالبهاليل من بني العـبـاس 
لا تقيلن عبد شمس عـثـاراً واقطعن كل رقلة وغِـراس 
ولقد ساءني وسـاءَ سـوائي قربهم من منابر وكراسـي 
فاذكروا مصرع الحسين وزيد وقتيلاً بجانب الـمـهـراس 
والقتيل الذي بحران أضحـى رهن رمس وغربة وتناسى 
ذلهما أظهر التودد مـنـهـا وبها منكم كحز المـواسـي 
أنزلوها بحيث أنزلهـا الـل ه بدار الإتعاس والإنـكـاس 

فعملت كلمته في أبي العباس وحركت منه، وعنده قوم من بني أمية فقالوا: أعرابي جلف جاف لا يدري ما يخرج من رأسه. فتفرق القوم على ذلك، فلما كان من الغد، وجه أبو العباس إليهم: أن اجتمعوا واغدوا على أمير المؤمنين مع سيدكم سليمان بن هشام ليفرض لكم ويجيزكم- وكان سليمان يكنى أبا الغمر، وكان صديقاً لأبي العباس من قبل أن تفضى إليه الخلافة، يكاتبه ويقضي حوائجه- فلما أصبحوا تهيئوا بأجمعهم، وبكروا إلى أبي العباس مع أبي الغمر، فأذن لهم ورفع مجالسهم، وأجلس أبا الغمر سليمان بن هشام عن يمينه على سريره، وجاء سديف حين سمع باجتماعهم حتى استأذن عليه، فلما مثل بين يديه ونظر إلى مجالسهم كهيئتها بالأمس ورأى أبا الغمر على السرير- وفيهم رجل من كلب من أخوال أبي الغمر، وكان منعه الحاجب وقت دخولهم، فنادى: يا أبا الغمر هذا يمنعني من الدخول، فقال أبو الغمر: هذا رجل من أخوالي فاتركه، فقال له الحاجب: ويلك ارجع فهو خير لك، فقال لا والله لأدخلن، قال: أنت أعلم- ثم أنشأ سديف يقول:


يا ابن عم النبـيّ أنـت ضـياء استبنا بك الـيقـين الـجـلـيا
قد أتتك الوُفود من عبد شَمْـس مستعدين يُوجعون الـمِـطـيا
عَنوِة أيها الـخـلـيفة لا عَـن طاعةٍ بل تَخوَفوا المَشـرفـيّا
لا يغرنك ما ترى من خضـوع إن تحت الـضـلـوع داء دويا
بطن البغض في القديم فأضحى ثابتاً في قلـوبـهـم مـطـويا
فضع السيف وارفع السوط حتى لا ترى فوق طهرهـا أمـويا


واستمر في القصيدة حتى أتى على آخرها، وأبو العباس يغتاظ. ويحنق ويتلون. فقال سليمان بن هشام لسديف: يا ابن الفاعلة ألا تسكت؟ فلما قال ذلك اشتد غضب أبي العباس. ونظر إلى رجال خراسان وهم وقوف بالأعمدة فقال لهم بالفارسية: دهيد، يعني اضربوا. فشدخوا رءوسهم بالأعمدة حتى أتوا على آخرهم، ثم نظر إلى سليمان وقال له: يا أبا الغمر مالك في الحياة خير بعد هؤلاء، فقال: أجل، فشدخوا رأسه وجروه برجله حتى ألقوه مع القوم، وصاج الرجل الكلبي فقال: يا أمير المؤمنين أنا رجل من كلب، فقال أبو العباس: ساعدت القوم في سرائهم فساعدهم في ضرائهم، وأومأ أن اضربوه فإذا هو مع القوم، ثم جمعهم وأمر بالأنطاع فبسطت عليهم ثم جلس فوقهم، ودعا بالغداء فتغدى، وإن بعض القوم ليتحرك، وفيهم من يسمع أنينه، فلما فرغ من غدائه قيل له هلا أمرت بهم فدفنوا أو حولوا إلى مكان آخر فإن رائحتهم تؤذيك؟ قال: والله إن هذه الرائحة لأطيب عندي من رائحة المسك والعنبر الآن سكن غليلي.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق