***
***

الجمعة، 19 فبراير 2016

اطوار الدولة: بن خلدون

بن خلدون
ينظر ابن خلدون للدولة على أنَّها كائن حي يولد وينمو ، ثُمَّ يهرم ليفنى.فللدولة عمر مثلها مثل الكائن الحي تماماً ،وقد حدَّد ابن خلدون عمر الدولة بمائة وعشرين عاماً ،لأنَّه يرى أنَّ العمر الطبيعي للأشخاص كما زعم الأطباء والمنجمون مائة وعشرين عاماً ، ولا تعدو الدول في الغالب هذا العمر إلاّ إن عرض لها عارض آخر من فقدان المطالب مستشهداً بقوله تعالى : (لِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ فَإذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً ولا يَسْتَقْدِمُونَ) ، وذكر أنَّها تتكون من ثلاثة أجيال كل جيل عمره أربعون سنة ، وذلك لأنَّه اعتبر متوسط عمر الشخص أربعين سنة ، حيث يبلغ النضج إلى غايته مستشهداً بقوله تعالى : (حَتَّى إذَا بَلَغَ أَشُدَّهُ وبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً) . ولهذا بيَّن أنَّ متوسط عمر الشخص الواحد هو عمر الجيل ، ويؤيد ذلك في حكمة التيه الذي وقع لبني إسرائيل في أربعين سنة ، والمقصود بالأربعين سنة فيه فناء الجيل لإحياء ونشأة جيل آخر لم يعهد الذل ولا عرفه. وقد ضرب ابن خلدون أمثلة لأعمار الدولة على بعض الدول مثل : (المرابطين والموحدين والمرينيين في المغرب ، وملوك الطوائف في الأندلس ، والحمدانيين في حلب) .

أجيال الدولة:
الجيل الأول : يعيش في الريف والبوادي حياة بدوية خشنة بعيدة عن الترف ، وتتميز بقوة العصبية والبسالة والافتراس «العنف» ، والاشتراك في المجد، ويكون جانبهم مرهوب ، والناس لهم غالبون.
الجيل الثاني : هو الذي يتحقق على يديه الملك ويؤسس الدولة ، وفيه ينتقل من البداوة إلى الحضارة، ومن سكنى البوادي والريف إلى المدن ، ومن شظف العيش إلى ترفه ، ومن الاشتراك في المجد إلى انفراد الواحد به ، وكسل الباقين عن السعي فيه ، ومن عز الاستطالة إلى ذل الاستكانة ، وتنكسر فيه سورة العصبية بعض الشيء ، ويعيش على ذكريات الجيل الأول.
الجيل الثالث: ينسون عهد البداوة والخشونة كأنَّها لم تكن، ويفقدون حلاوة العز والعصبية، بما فيهم من ملكه القهر ، ويبلغ فيهم الترف غايته ، ويصيرون فيه عيالاً على الدولة ، وينسون الحماية والمدافعة والمطالبة ، وتسقط العصبية تماماً ، ويضطر صاحب الدولة إلى الاستظهار بسواهم من أهل النجدة ، ويستكثر بالموالي.
الجيل الرابع: لا يكاد يذكره لأنَّه فقد الاحترام والسلطة.

أطوار الدولة:
 الطور الأول : هو طور التأسيس ،وفيه يكون السلطان جديد العهد بالملك.لذا فهو لا يستغني عن العصبية ، وإنَّما يعتمد عليها لإرساء قواعد ملكه، فيكون الحكم في هذه المرحلة مشتركاً نوعاً ما بين الملك وبين قومه وعشيرته، ويتميز هذا الطور ببداوة المعيشة ،وبانخفاض مستواها ،فلم يعرف الغزاة الجدد بعد الترف.ويشترك الجميع في الدفاع عن الدولة لوجود الشجاعة والقوة البدنية.
الطور الثاني : هو الانفراد بالملك ،ويرى ابن خلدون أنَّ الانفراد بالسلطة ميل طبيعي وفطري لدى البشر ،ولذا فإنَّ السلطان عندما يرى ملكه قد استقر يعمل على قمع العصبية ، كما يعمل على الانفراد بالحكم ، واستبعاد أهل عصبيته من ممارسة الحكم ، وعندئذ يتحول من رئيس عصبية إلى ملك .وقد يفعل ذلك أوَّل من أسَّس الدولة ، وقد لا يفعل ، فلا تدخل الدولة في هذا الطور الثاني إلاَّ مع ثاني زعيم أو ثالث ، ويتوقف ذلك على قوة صمود العصبية. ويضطر السلطان إلى الاستعانة بالموالي للتغلب على أصحاب العصبية ،أي أنَّه يبدأ في هذه المرحلة الاعتماد على جيش منظم من أجل المحافظة على المُلك.
الطور الثالث: وهو طور الفراغ والدعة: وفي هذا الطور يتم تحصيل ثمرات الملك وتخليد الآثار وبُعد الصيت ، فالدولة في هذا الطور تبلغ قمة قوتها ، ويتفرغ السلطان لشؤون الجباية ، وإحصاء النفقات والقصد فيها ، ولتخليد ملكه بأن يبني المباني العظيمة الشاهدة على عظمته ، وفي هذه المرحلة يستمتع الجميع : السلطان بمجده ، وحاشيته بما يغدقه عليها السلطان.
الطور الرابع: هو طور القنوع والمسالمة : وفي هذا الطور يكون صاحب الدولة قانعاً بما بناه أسلافه مقلداً لهم قدر ما يستطيع ، والدولة في هذه المرحلة تكون في حالة تجمد فلا شيء جديد يحدث ، وتغير يطرأ ، كأن الدولة تنتظر بداية النهاية.
الطور الخامس : هو طور الإسراف والتبذير ، ويكون صاحب الدولة في هذا الدور متلفاً لما جمعه أسلافه في سبيل الشهوات والملاذ والكرم على بطانته ، فيكون مخرباً لما كان سلفه يؤسسون ، وهادماً لما كانوا يبنون. وفي هذا الطور تحصل في الدولة طبيعة الهرم ، ويستولي عليها المرض المزمن الذي لا برء منه إلى أن تنقرض. ويرى ابن خلدون أنَّ بداية انحلال الدولة يرجع إلى عنصرين هما: انحلال العصبية ، والانحلال المالي نتيجة تبذير السلطان ، ولهذا تنهار الدولة سياسياً واقتصادياً
.
 الأسس الإسلامية في نظرية الدولة عند ابن خلدون: بنى ابن خلدون نظريته على أنَّ للدولة أعماراً مثل أعمار البشر على الأسس القرآنية ، فالقرآن الكريم ينص على أنَّ للدولة أعماراً ينتهي كيانها بنهايتها ،ثُمَّ تخلفها دولاً أخرى أكثر نظاماً ،وأشد قوة ،وأوفر صلاحاً، من ذلك قوله تعالى : (وكَمْ قَصَمْنَا مِن قَرْيَةٍ كَانَتْ ظَالِمَةً وأَنشَأْنَا بَعْدَهَا قَوْماً آخَرِينَ). والقرية هنا ، وفي آيات أخرى هي الدولة أو الدول ،والقرية الظالمة هنا هي الدولة الفاسدة ،فالظلم هو أشد ألوان الفساد .

عن

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق