***
***

الجمعة، 26 فبراير 2016

من حياة الإمام أبو حنيفة النعمان

قال الحسن بن زياد اللؤلؤي: كانت عندنا امرأةٌ مجنونةٌ يقال لها: أم عمران، مر بها إنسانٌ فقال لها شيئًا، فقالت: يا بن الزانيَينِ، وابن أبي ليلى قائمٌ يسمع، فأمر أن يؤتى بها، فأدخلها المسجد وهو فيه، فضربها حدَّيْن؛ حدًّا لأبيه وحدًّا لأمه، فبلغ ذلك أبا حنيفة، فقال: أخطأ فيها من ستة مواضع: المجنونة لا حد عليها، وأقام الحد عليها في المسجد ولا تقام الحدود في المساجد، وضربها قائمةً والنساء يُضرَبن قعودًا، وأقام عليها حدينِ، ولو أن رجلًا قذف قومًا ما كان عليه إلا حدٌّ واحدٌ، وضربها والأبوان غائبان ولا يكون ذلك إلا بمحضرهما؛ لأن الحدَّ لا يكون إلا لِمَن يطلبه، وجمع بين الحدين في مقام واحد، ومَن وجب عليه حدانِ، لم يُقَمْ عليه أحدهما حتى يجف الآخر، ثم يضرب الحد الثاني، فبلغ ذلك ابنَ أبي ليلى، فذهب إلى الأمير فشكاه، فحجَر الأمير على أبي حنيفة أن يفتي، فهذه قصة حجر الأمير في الفتيا على أبي حنيفة

***

كان أبو حنيفة يبيع الخز (الحرير)، فجاءه رجلٌ فقال: يا أبا حنيفة، قد احتجت إلى ثوب خز، فقال: ما لونه؟ فقال: كذا وكذا، فقال له: اصبر حتى يقع وآخذه لك إن شاء الله، فما دارت الجمعة حتى وقع، فمر به الرجل، فقال له أبو حنيفة: قد وقعت حاجتك، فأخرج إليه الثوب فأعجبه، فقال: يا أبا حنيفة، كم أزِنُ للغلام؟ قال: درهمًا، قال: يا أبا حنيفة، ما كنت أظنك تهزأ، قال: ما هزأت، إني اشتريت ثوبين بعشرين دينارًا ودرهم، وإني بعت أحدهما بعشرين دينارًا، وبقِيَ هذا بدرهم، وما كنت لأربحَ على صديقٍax

***

قال عبدالله بن رجاء الغداني: كان لأبي حنيفة جارٌ بالكوفة إسكاف يعمل نهاره كله، حتى إذا أقبل الليل رجع إلى منزله وقد حمل لحمًا فطبخه، أو سمكة فيشويها، ثم لا يزال يشرب الخمرَ، حتى إذا دب الشراب فيه غنَّى بصوت وهو يقول:
أضاعوني وأيَّ فتًى أضاعوا ♦♦♦ ليومِ كريهةٍ وسدادِ ثغرِ
 فلا يزال يشرب الخمر، ويردد هذا البيت حتى يأخذه النوم، وكان أبو حنيفة يسمَع ضجته، وكان أبو حنيفة يصلي الليل كله، ففقد أبو حنيفة صوته، فسأل عنه، فقيل: أخذه العسَس (الشرطة) منذ ليالٍ، وهو محبوس، فصلى أبو حنيفة صلاة الفجر من غدٍ، وركب بغلته، واستأذن على الأمير، قال الأمير: ائذَنوا له، وأقبلوا به راكبًا، ولا تدعوه ينزل حتى يطأ البساط، ففعل، ولم يزل الأمير يوسع له من مجلسه، وقال: ما حاجتك؟ قال: لي جار إسكاف، أخذه العسس منذ ليالٍ، يأمر الأمير بتخليته؟! فقال: نعم، وكل من أخذه بتلك الليلة إلى يومنا هذا، فأمر بتخليتهم أجمعين، فركب أبو حنيفة والإسكافي يمشي وراءه، فلما نزل أبو حنيفة مضى إليه، فقال: يا فتى، أضعناك؟! قال: لا، بل حفِظت ورعَيت جزاك الله خيرًا عن حرمة الجوار ورعاية الحق، وتاب الرجل، ولم يعُدْ إلى ما كان

***

قال علي بن المديني (شيخ البخاري): حُدِّثتُ أن رجلًا من القُوَّاد تزوج امرأةً سرًّا فولدت منه، ثم جحدها، فحاكمته إلى ابن أبي ليلى، فقال لها: هاتِ بينةً على النكاح، فقالت: إنما تزوجني على أن الله عز وجل الولي، والشاهدان الملَكان، فقال لها: اذهبي، وطردها، فأتت المرأة أبا حنيفة مستغيثةً، فذكرت ذلك له، فقال لها: ارجعي إلى ابن أبي ليلى فقولي له: إني قد أصبت بينةً، فإذا هو دعا به ليُشهِد عليه، قولي: أصلح الله القاضي، يقول: هو كافرٌ بالوليِّ والشاهدين، فقال له ابن أبي ليلى ذلك، فنكَل ولم يستطِعْ أن يقول ذلك، وأقر بالتزويج، فألزمه المهرَ، وألحق به الولد.

***
قال محمد بن عبدالرحمن: كان رجل بالكوفة يقول: عثمان بن عفان كان يهوديًّا، فأتاه أبو حنيفة، فقال: أتيتك خاطبًا، قال: لِمَن؟ قال: لابنتك، رجل شريف غني بالمال، حافظ لكتاب الله، سخيٌّ يقوم الليل في ركعة، كثير البكاء من خوف الله، قال: في دون هذا مقنع يا أبا حنيفة، قال: إلا أن فيه خَصلة، قال: وما هي؟ قال: يهوديٌّ، قال: سبحان الله! تأمرني أن أزوج ابنتي من يهودي، قال: لا تفعلُ؟قال: لا، قال: فالنبي صلى الله عليه وسلم زوج ابنتيه من يهودي؟! قال: أستغفر الله؛ إني تائب إلى الله عز وجل
***
قال قيس بن الربيع: كان أبو حنيفة يبعث بالبضائع إلى بغداد، فيشتري بها الأمتعةَ، ويحملها إلى الكوفة، ويجمع الأرباح عنده من سنة إلى سنة، فيشتري بها حوائج الأشياخ المحدِّثين وأقواتهم وكسوتهم وجميع حوائجهم، ثم يدفع باقي الدنانير من الأرباح إليهم، فيقول: أنفقوا في حوائجكم، ولا تحمَدوا إلا اللهَ؛ فإني ما أعطيتُكم من مالي شيئًا، ولكن من فضل الله عليَّ فيكم، وهذه أرباح بضائعكم؛ فإنه هو والله مما يُجريه الله لكم على يدي، فما في رزق الله حولٌ لغيره

***
 قال محمد بن شجاع عن بعض أصحابه: إنه قيل لأبي حنيفة: قد أمر لك أبو جعفر أمير المؤمنين بعشرة آلاف درهم، قال: فما رضي أبو حنيفة، فلما كان اليوم الذي توقع أن يؤتى إليه بالمال، صلى الصبح، ثم تغشى بثوبه فلم يتكلم، فجاء رسول الحسن بن قحطبة بالمال، فدخل به عليه فكلمه، فلم يكلمه، فقال مَن حضر: ما يكلمنا إلا بالكلمة بعد الكلمة، فقال: ضعوا المال في هذا الجراب في زاوية البيت، قال: ثم أوصى أبو حنيفة بعد ذلك بمتاع بيته، فقال لابنه: إذا أنا متُّ ودفنتموني، فخُذ هذه البدرة فاذهب بها إلى الحسن بن قحطبة، فقُل له: هذه وديعتك التي أودعتها أبا حنيفة، فلما دفنَّاه وأخذتها وجئت حتى استأذنت على الحسن بن قحطبة، فقلت: هذه الوديعة التي كانت لك عند أبي حنيفة، قال: فقال الحسن: رحمة الله على أبيك، لقد كان شحيحًا على دِينه.
***

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق