***

بحث هذه المدونة الإلكترونية

جارٍ التحميل...
***

الخميس، 25 فبراير، 2016

الإدريسي

أبو عبد الله محمد بن محمد الإدريسي، واحد من أوائل من أسسوا لعلم الخرائط بمفهومه الحديث، بل إن خريطته التي قضى من أجل إنجازها قرابة خمسة عشر سنة، تعتبر أهم خريطة عالمية يتم إنجازها في القرون الوسطى .
وُلد بسبتة المغربية سنة 493 هجرية/ 1099 ميلادية، من أسرة يعود نسبها إلى إدريس بن عبد الله مؤسس الدولة الإدريسية، ويعود كذلك لعلي بن حمود منشئ الدولة الحمودية بالأندلس في عهد ملوك الطوائف، أنهى دراسته بقرطبة، واستطاع منذ حداثة سنة أن يحصل على ثقافة أدبية متينة، وأن يتشبع بثقافة رياضية كاملة في الحساب و الهندسة والجغرافية، كما زاول مهنة الطب هناك وتعرّف على أسرار النبات، زيادة على نبوغه في الشعر.

منذ ربيعه الـ16، بدأ الإدريسي التجوال في العالم، فزار كل بلدان المغرب الكبير، فمصر والشام والكثير من البلدان العربية، ثم بلاد الأندلس، ففرنسا، ثم انجلترا، قبل أن يرحل لصقلية ويعيش فيها ابتداء من سنة 533 هجرية ، بدعوة من ملكها رُوجار، الذي استدعاه لمساعدته في أبحاثه الجغرافية، بعد أن ذاع صيت الإدريسي وعُرف كواحد من أكبر جغرافيي العالم في ذلك الوقت، فقد كان روجار يميل إلى الاستفادة من المسلمين الذين كانوا حاملي مشعل العلم والحضارة في البحر الأبيض المتوسط، واستفاد منهم الكثير من الملوك الأوروبيين في بناء نهضة أوربا العلمية.
استطاع الإدريسي، كما يؤكد كنون، أن يضع أول خريطة عالمية صحيحة مبنية على الأصول العلمية والحقائق الفنية الثابتة لذلك العهد، وقد كان السبب في هذه الخريطة يعود لرغبة روجار في تأليف ما يصف مملكته الواسعة، ليلتقي الإدريسي بسفراء صقلية، وبدأ بالتأكد من أماكن الأقطار سواء من معلوماته التي اكتنزها من رحلاته أو من معلومات السفراء، فاستمرت عملية التدقيق خمسة عشر سنة، حضّر من خلالها لوح الترسيم، ووضع عليه مواقع البلدان بواسطة بركار من حديد، وعندما انتهى، وضع خريطة جامعة على صفيحة من ورق، قَدّر وزنها أحد المستشرقين الإيطاليين وهو تشيا باريلي، ب150 كيلوغراما، وقدّر طولها المؤرخ الألماني بيلر بثلاثة أمتار ونصف طولا، ومتر ونصف عرضا، إلا أن هذه التحفة النادرة لم تُعمر طويلا، بعدما سطا عليها ثوار من المدينة ليتلفوها بعدما لم يعوا قيمتها.

الخريطة الإدريسية لا تشبه كثيرا الخريطة الحالية التي نعرفها للعالم، لكنها كانت متقدمة بشكل كبير وأعطت الأسس المتينة للتعرف على العالم، فقد رأى الإدريسي أن الأرض مُكوّرة، وأن نصفها الجنوبي خالٍ من البشر، بينما نصفها الشمالي هو القسم المعمور، واعتبر أن هذا القسم يتكون من ثلاث قارات هي آسيا وإفريقيا وأوروبا، إلا أن أكبر ما حققه في هذه الخريطة، هو إثباته لخطوط العرض من أجل تحديد مواقع البلدان، حيث أثبت خطوط العرض من الدرجة 28 إلى الدرجة 63، هكذا وفي بعض المناطق التي كانت لديه الإمكانيات لإجراء المقاييس الصحيحة عليها، كانت أرقامه متطابقة، وفي بلدان أخرى استحال عليه التدقيق بشأنها، كانت الاختلافات ضئيلة جدا.

بعد أن انتهى الإدريسي من وضع هذه الخريطة، والتي لحسن الحظ بقيت أصولها من الورق العادي لحد الآن، بدأ في تأليف كتابه:" نزهة المشتاق في اختراق الآفاق"، وهو واحد من أشهر الكتب العربية التي وَصفت بدقة عالية مجموعة من المدن والأقطار، وهو الكتاب الذي قيل في حقه الكثير، فمثلا قال عنه الكاتب الفرنسي لوريش:" إن كتاب الإدريسي هو أعظم وثيقة علمية جغرافية في القرون الوسطى"، وقال عنه البارون دي سلان:" إن ثمة بعض الأجزاء من المعمورة، لا يزال هذا الكتاب دليل المؤرخ الجغرافي في الأمور المتعلقة بها"، كما تحدث عنه سيبولد:" إن كتاب الإدريسي يُعد أعظم مصنفات العصور الوسطى في الجغرافية".

ألّف الإدريسي كتابين فيما بعد لم يعرفا نفس شهرة كتابه الأول، وهما:" روض الأنس ونزهة النفس"، "روض الفرج ونزهة المهج"، كما كان شاعرا ظريفا، وقد تم ذكره في بعض الكتب التاريخية كشاعر وليس فقط كعالم جغرافية.

مما قاله في كتابه " نزهة المشتاق في اختراق الآفاق" عن مدينة مراكش:" وَ هي في وطاء من الأرض ليس حولها شيء من الجبال إلا جبل صغير يسمى إيجليز. ومنه قُطع الحجر الذي بُني به قصر أمير المسلمين علي بن يوسف بن تاشفين، وهو المعروف بدار الحجر وليس في مَوضع مدينة مراكش حجر البتّة إلا ما كان من هذا الجبل".

توفي الإدريسي سنة 560 ه /1160 م بصقلية عن عمر ناهز 61 سنة، ولحد الآن، تصفه الكثير من المواقع العالمية بمؤسس علم الجغرافية، كما أن تمثاله موجود بسبتة اعترافا بإسهاماته الكبيرة.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق